في أبوظبي، اختُتمت المفاوضات التي جمعت الوفود الأوكرانية والروسية والأمريكية، وسط أجواء من الحذر المتبادل والتوتر المتزايد على الأرض. وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذه المحادثات بأنها “بناءة”، مشيراً إلى أن من الممكن عقد جولات إضافية في المستقبل القريب، لكنه لم يخفِ أيضًا أن الطريق إلى حل جذري لا يزال طويلاً، وأن الاستمرار في الحوار بات ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
وفي منشور له على منصة “X”، شدد زيلينسكي على أن المحادثات أتاحَت فرصة لبحث قضايا حساسة، وأن الحفاظ على هذا الحوار هو أمر أساسي لمستقبل أي اتفاق أو تفاهم. ومع ذلك، فإن كلمات الرئيس لا تبدو قادرة على طمأنة غالبية الأوكرانيين الذين ما زالوا يعيشون آثار الحرب اليومية، ويواجهون واقعاً قاسياً من الدمار والقلق.
ومن كييف، ترددت أصوات المواطنين بشكل واضح، تعكس تعبًا عميقًا من استمرار الصراع. تقول أناستاسيا تولكاتشوف، إحدى سكان العاصمة، إن ما يجري “لا معنى له”، فهي ترى أن كل جولة من المفاوضات تنتهي بنفس النتيجة: لا اتفاق، ثم يعود العنف إلى التصاعد مجدداً. وهذه النظرة لا تقتصر على فرد واحد، بل تتردد في أوساط كثيرة من السكان الذين لم يعد لديهم من خيار سوى التعايش مع الحرب أو انتظار نهاية لا يبدو أنها قريبة.
الملفت في هذا السياق أن المفاوضات لم تنتهِ في جو من الهدوء، بل على العكس، فقد استمرت الهجمات الروسية في الوقت الذي كانت فيه الوفود تتبادل الكلمات. ففي يوم اختتام المحادثات، أسفرت غارة جوية عن مقتل شخص في منطقة كييف، وأصيب ثمانية آخرون في قصف استهدف خاركيف، ومن بين المواقع التي تعرضت للهجوم كان جناح للولادة، ما يضيف بعدًا إنسانيًا مؤلمًا للوقائع، ويعيد إلى الأذهان أن الحرب لا تترك مكانًا “آمنًا” حتى للمستشفيات والمرافق الطبية.
في المقابل، وصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا هذه الأعمال بأنها “ليلة أخرى من الإرهاب الروسي”، وهو وصف يعبّر عن الإحساس العميق بعدم وجود حدود للضربات، وعن إدانة سياسية تحاول أن تحافظ على الخطاب الدولي حول طبيعة الحرب وطبيعة العدو. لكن مثل هذه التصريحات، مهما كانت قوية، لا تغير من حقيقة أن الهجمات تتواصل، وأنها تتصاعد في شكلها وتكرارها، ما يترك السكان في حالة قلق دائم.
تقرير الهجوم الأخير الذي أعلنته القوات الروسية، والذي تحدث عن استخدام 370 طائرة مسيرة و27 صاروخاً، يضع صورة قاتمة عن واقع الحرب. فالحديث عن هذا العدد من الطائرات المسيرة وحده يعكس قدرة روسيا على إحداث أضرار واسعة، ويظهر أن المواجهة ليست مجرد قصف عابر، بل حرب تكنولوجية حديثة تعتمد على تكثيف الضربات وإرهاق الخصم. وفي شوارع كييف، أفاد صحفيو وكالة فرانس برس بوجود حالة من القلق الشديد، لا سيما مع تجدد التهديدات بوجود قنابل في العاصمة، ما يعيد إلى الأذهان أن الحرب لا تترك المجال للعيش الطبيعي، بل تفرض حالة من اليقظة المستمرة.
على مستوى الحياة اليومية، تعكس شهادات الأوكرانيين حجم الإرهاق الذي يعانيه الشعب. تقول إيرينا بيريجوفا، خبيرة اقتصادية في كييف، إن “لا أمل لديها”، وأن المناقشات تبدو كـ”مسرحية هزلية”. وتضيف أن ما يريده الناس هو “أن يعيشوا بكرامة”، وليس أن يكونوا أهدافاً. هذه الكلمات تعكس جانبًا مهمًا من الأزمة: ليس فقط الخسائر المادية أو العدد الكبير من الضحايا، بل انهيار الثقة في المؤسسات الدولية وفي مسارات الحل، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الاستسلام النفسي أو اليأس الجماعي.
وبينما تستمر الهجمات، تتزايد الضغوط على البنية التحتية. فقد أشار نائب رئيس الوزراء أوليكسي كوليبا إلى أن الهجمات الأخيرة تسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من مليون شخص، وهو أمر له انعكاسات مباشرة على الحياة اليومية، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون -10 درجات مئوية. في هذه الظروف، تصبح مسألة التدفئة والطاقة مسألة حياة أو موت، وتتحول الحرب من صراع سياسي إلى كابوس إنساني.
وفي قلب هذا المشهد المأساوي، تظل قضية الأراضي عقبة رئيسية تعرقل أي تقدم في المفاوضات. إذ تطالب موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الملغومة والصناعية في الشرق، بينما تقاوم كييف هذه المطالب، مدعومة عسكريًا وماليًا من الغرب. وهنا تكمن مفارقة الوضع: فكلما زادت قدرة أوكرانيا على الصمود عسكريًا، زادت صعوبة الوصول إلى حل سياسي يرضي الطرفين، لأن الأرض أصبحت ورقة تفاوض تتداخل فيها المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في هذه الجولة. ففي اجتماع سابق في دافوس، أشار زيلينسكي إلى اتفاقيات الضمانات الأمنية مع دونالد ترامب، وهو موضوع تكرر النقاش حوله أيضًا في أبوظبي. والملاحظ أن هذه المحادثات جرت برعاية أمريكية دون مشاركة دول الاتحاد الأوروبي، ما يثير قلقًا من أن المسار قد يتأثر بتوجهات واشنطن، أو أن أوروبا قد تجد نفسها خارج دائرة القرار، وهو ما قد يضعف موقف أوكرانيا على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يبدو أن زيلينسكي يحاول دائمًا توحيد أوروبا في مواجهة التهديد الروسي، لكنه كثيرًا ما يشكو من غياب الإرادة السياسية لدى القادة الأوروبيين. وهذه شكوى ليست مجرد تذمر سياسي، بل تعكس حقيقة أن أوروبا، رغم دعمها الظاهري لأوكرانيا، لا تزال تتأرجح بين مصالحها الاقتصادية، وضغوط الداخل السياسي، وخوفها من التصعيد المباشر مع روسيا.
وعلى الرغم من أن المفاوضات قد تُفتح أبوابها مجددًا، فإن أوكرانيا لا تزال تدفع ثمناً باهظاً لهذا الصراع. فالحرب ليست مجرد ساحة قتال، بل هي أيضًا عبء اقتصادي وإنساني ونفسي على شعب لا يملك سوى الصبر والانتظار. وفي الوقت الذي تحاول فيه العواصم الكبرى أن تبدو منضبطة في حواراتها، يظل المواطن الأوكراني يعيش لحظات من القلق والترقب، ينتظر ما سيأتي به اليوم التالي، في بلد ينهكه القتال ويستنزف أمله في غدٍ أفضل.







