في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، يلوح في الأفق بصيص أمل باتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، مع تقارير عن إحراز تقدم في المفاوضات الجارية في الدوحة. وبحسب ما أفادت به قناة «الغد» نقلاً عن مصادر مصرية، فإن حركة حماس وافقت على خريطة انسحاب جديدة قدمتها إسرائيل، تتضمن الانسحاب من محور موراج جنوب القطاع، مع تمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي بعمق محدود في مناطق شمال وشرق غزة. هذا التطور يُعد اختراقاً بعد فترة طويلة من الجمود، خصوصاً عقب انسحاب إسرائيل من خريطة سابقة بفعل ضغوط مارسها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الذي يُنتظر وصوله إلى المنطقة الأسبوع المقبل للإعلان عن اتفاق نهائي.
موقف حماس محل جدل
لكن، وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى موقف حماس محل جدل وانتقاد، لا سيما في ضوء استمرارها بالتمسك بشروط تعتبرها أوساط دبلوماسية معرقلة لأي تقدم فعلي. فبينما تُركّز المفاوضات الحالية على “مفاتيح إطلاق سراح الأسرى”، وهو بند مشروع في سياق تفاوضي، إلا أن إصرار الحركة على تضمين شروط تتجاوز الأبعاد الإنسانية وتدخل في حسابات سياسية ضيقة، يبدو غير متسق مع حجم المعاناة اليومية التي يعيشها سكان غزة.
الحرب التي دمرت البنية التحتية للقطاع، وألحقت أضراراً فادحة بالمستشفيات والمدارس والمساكن، وأدت إلى استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، يفترض أن تضع الأولوية القصوى على وقف فوري للنار، وإيصال المساعدات، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة. ومع ذلك، ظلت حماس، طيلة الأشهر الماضية، ترفع سقف شروطها، مطالبة بضمانات دولية ومكاسب سياسية، في وقت تنهار فيه مقومات الحياة في غزة وتُدفن كل يوم أجساد أطفال ونساء تحت الركام.
انتكاسة جديدة بسبب حماس
إن المفاوضات الجارية – على هشاشتها – تكشف عن فجوة بين واقع المعاناة على الأرض، والرهانات السياسية التي ما زالت الحركة تبني عليها استراتيجيتها. فالقيادة التي تتحدث باسم الشعب يجب أن تتحمّل مسؤولية هذا الشعب، لا أن تزج به في مآزق أكبر، أو توظف دماءه كورقة ضغط في مداولات لا تُفضي إلا لمزيد من المعاناة.
الخطاب الصادر عن البيت الأبيض، وعلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أشار إلى “أخبار سارة بشأن غزة”، دون تفاصيل، ما يعزز مناخ التفاؤل. غير أن استمرار التردد في حسم ملف وقف إطلاق النار، يُنذر بانتكاسة جديدة إن لم تُظهر حماس مرونة أكبر. فالمكاسب السياسية – إن تحققت – لن تُمحي آثار المجازر، ولن تعيد البيوت المدمرة، ولن تنقذ الأطفال الذين يموتون جوعاً ومرضاً بسبب انهيار المنظومة الصحية.
مصلحة المدنيين
إن الواجب الأخلاقي والوطني يفترض أن تكون مصلحة المدنيين هي البوصلة الوحيدة لأي تفاوض. وحين تتقدم المواقف السياسية على هذه البوصلة، فإن ذلك يُعد خيانة حقيقية لجوهر القضية الفلسطينية، ولحق الشعب في الحياة قبل أي شعار آخر. إن غزة لا تحتاج لمكاسب تفاوضية، بل تحتاج للنجاة من جحيم لا يتوقف.







