تتجه الأنظار، الآن، إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، التي تستضيف جولة مفاوضات غير مباشرة بين وفدين من إسرائيل وحركة حماس برئاسة خليل الحية، برعاية مصرية وبضغط أميركي متزايد.
هذه المفاوضات تأتي في لحظة مفصلية من عمر الحرب على قطاع غزة، والتي دخلت عامها الثاني، وسط تدهور إنساني غير مسبوق في القطاع، وتزايد الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار سياسي جديد.
المحادثات، التي تدور خلف الأبواب المغلقة، تتركز على الترتيبات الأمنية الميدانية وآليات تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تقوم على صفقة تبادل تشمل إطلاق جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين، يليها وقف لإطلاق النار وانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، كما يتوقع أن يبحث الجانبان ملفات إعادة الإعمار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ومستقبل الحكم في غزة.
ولم يكن اختيار شرم الشيخ لاستضافة الاجتماعات مصادفة فالمدينة المصرية حملت دائمًا رمزية السلام منذ القمة الرباعية التاريخية عام 2005، كما أنها تشكل مساحة تفاوضية آمنة ومقبولة من الأطراف كافة، خاصة في ظل احتفاظ القاهرة بعلاقات وثيقة مع جميع الفرقاء.
أجواء تفاوضية مشحونة.. وغياب ديرمر يثير التساؤلات
الوفد الإسرائيلي وصل إلى مصر من دون رئيسه رون ديرمر، الذي من المنتظر أن ينضم لاحقًا إذا أحرزت الاجتماعات تقدمًا ملموسًا، وهذا الغياب فُسّر على أنه إشارة إلى حذر إسرائيلي، وربما اختبار لنوايا الطرف الآخر قبل إرسال المسؤولين الكبار.
في المقابل، تسجل حركة حماس أول ظهور علني لوفدها التفاوضي بعد محاولة اغتيال قيادته الشهر الماضي في الدوحة، وهو ما يضفي بعدًا إضافيًا للمفاوضات، ويعكس رغبة الحركة في توجيه رسائل سياسية حول صمودها واستعدادها للانخراط في ترتيبات جديدة رغم الضربات الإسرائيلية.
مصر في قلب المشهد.. زخم دبلوماسي متجدد
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استبق المفاوضات بإشادة علنية بخطة ترامب، مؤكدًا أن “السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وفقًا للشرعية الدولية”، وأن وقف إطلاق النار وعودة الأسرى وبدء مسار سياسي جديد هي مفاتيح الاستقرار.
وترى القاهرة أن هذه الفرصة يجب ألا تضيع، وأن على الأطراف كافة الارتقاء إلى مستوى المسؤولية لإنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة في المنطقة.
اختبار حقيقي لنوايا الأطراف
يرى الدكتور عمرو الشناوي، أستاذ العلاقات الدولية، أن مفاوضات شرم الشيخ تمثل “اختبارًا حقيقيًا لنوايا الأطراف”، وأن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا غير مسبوقة على كل من إسرائيل وحماس لإبرام اتفاق أولي سريع يوقف النزيف الإنساني ويمهد لمسار سياسي أوسع. ويشير إلى أن إدارة ترامب تعتبر نجاح هذه الجولة ركيزة أساسية لطرح خطتها الإقليمية الأشمل.
ويؤكد” الشناوي” أن غياب ديرمر في اليوم الأول ليس تفصيلاً عابرًا، بل يعكس التردد الإسرائيلي الداخلي. فالحكومة الإسرائيلية، بحسب رأيه، تعيش حالة انقسام بين تيار يدعم المضي في خطة ترامب، وآخر يقوده اليمين المتشدد يرفض أي تنازلات لحماس أو وقف للحرب قبل “تصفية” الحركة بالكامل، وهذا الانقسام قد ينعكس على مرونة الوفد المفاوض.
كما يلفت إلى أن حماس هي الأخرى تدخل المفاوضات بمزيج من الحذر والبراغماتية؛ فهي تسعى للحصول على مكاسب ملموسة مثل وقف النار وضمانات إنسانية، لكنها تدرك أن أي صفقة ستكون مشروطة بتنازلات صعبة، خاصة فيما يتعلق بملف السلاح وإدارة القطاع بعد الحرب، ومن هنا يتوقع أن تكون المفاوضات معقدة وطويلة، رغم الطابع “الفني” المعلن لها.
ويختم الشناوي بأن مصر تملك أوراق ضغط حقيقية على الطرفين، وهو ما قد يساعدها على لعب دور الوسيط النشط القادر على تقريب وجهات النظر، خصوصًا مع الدعم الأميركي العلني لجهودها.
مفاوضات مختلفة عن جولات القاهرة السابقة
أما السفيرة ناهد عبد السلام، وهي دبلوماسية سابقة، فتؤكد أن هذه المفاوضات مختلفة عن جولات القاهرة السابقة، لأنها تجري في ظل “تغير نوعي في الموقف الأميركي”، الذي لم يعد يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل أصبح يدفع بخطة متكاملة لوقف الحرب وإعادة الإعمار وترتيب الوضع السياسي في غزة.
وتشير إلى أن ترامب، بخلاف الإدارات السابقة، يريد تسجيل اختراق سريع وملموس يقدمه للرأي العام الأميركي والدولي، مستفيدًا من الضغوط المتزايدة على إسرائيل بسبب الأزمة الإنسانية غير المسبوقة في غزة، ومن رغبة أطراف عربية في إنهاء الحرب التي باتت تهدد استقرار الإقليم.
وترى “عبد السلام” أن القاهرة تدرك هذه اللحظة جيدًا، ولذلك تحركت على أكثر من مسار دبلوماسي في الأسابيع الأخيرة، من خلال التنسيق مع واشنطن، والتواصل مع القيادة الفلسطينية، والضغط على حماس للانخراط بجدية، وهي ترى أن مصر لن تسمح بانهيار هذه الجولة بسهولة، لأنها تعتبر نجاحها انتصارًا دبلوماسيًا مصريًا أيضًا.
وتختم بأن احتمال تحقيق اختراق في ملف الأسرى والرهائن مرتفع نسبيًا، أما ملفات وقف النار الدائم وترتيبات ما بعد الحرب فستحتاج إلى جولات إضافية وربما مؤتمر دولي أوسع.
الفشل يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد
كما يعتبر اللواء محمود عبد العزيز، الخبير الاستراتيجي، أن المفاوضات الحالية هي “أقرب إلى مفاوضات أمنية عسكرية منها إلى سياسية”، موضحًا أن التركيز في الأيام الأولى سينصب على التفاصيل التنفيذية للمرحلة الأولى من خطة ترامب، وهي المرحلة التي تقضي بإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين خلال 72 ساعة مقابل أسرى فلسطينيين، يليها وقف إطلاق نار مؤقت.
ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يواجه ضغوطًا داخلية هائلة، خاصة من عائلات الرهائن، وهو ما يجعل القيادة العسكرية أكثر استعدادًا لقبول صفقة جزئية، حتى لو عارضها بعض السياسيين. في المقابل، ترى حماس أن ورقة الرهائن هي أحد أهم مصادر قوتها التفاوضية، ولن تفرط فيها من دون الحصول على مقابل سياسي واضح.
ويرى اللواء عبد العزيز أن القاهرة تمتلك خبرة طويلة في إدارة هذا النوع من الملفات، وهي قادرة على ضمان ترتيبات أمنية معقدة تشمل مراقبة التنفيذ وتبادل الأسرى وضمانات دولية، وهو ما يجعلها طرفًا لا غنى عنه في هذه المرحلة.
ويحذر من أن أي فشل في هذه الجولة قد يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد، وربما عمليات إسرائيلية داخل غزة تهدف للضغط على حماس، ما سيقوض أي فرصة لاحقة للتسوية.
فتح الباب أمام حل الدولتين
أما د. هالة الكومي، أستاذة العلوم السياسية، فترى أن مفاوضات شرم الشيخ تفتح الباب مجددًا أمام فكرة “حل الدولتين” التي كادت أن تُدفن خلال السنوات الأخيرة. فخطة ترامب، رغم ما يكتنفها من غموض، تضع الأساس لمسار سياسي يقود إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا التزمت الأطراف بخطوات بناء الثقة.
وتوضح أن مصر تراهن على أن وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية جدية سيعيد ترتيب المشهد الإقليمي ويمنحها دورًا محوريًا في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. كما أن نجاح هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام مشاركة أطراف عربية أخرى في إعادة الإعمار وتمويل التسوية، مثل السعودية والإمارات وقطر.
وتشير الكومي إلى أن الرأي العام الفلسطيني يعيش حالة انقسام بين من يرى في المفاوضات “طوق نجاة” من الكارثة الإنسانية، وبين من يخشى أن تؤدي إلى فرض ترتيبات مجحفة دون ضمانات حقيقية. أما في إسرائيل، فهناك ضغط من اليمين المتطرف ضد أي تنازل، ما يجعل الحكومة في موقف معقد للغاية.
وتحذر من أن أي تأجيل أو مماطلة قد يؤدي إلى فقدان الزخم الدولي الحالي، وبالتالي ضياع الفرصة السياسية القائمة، خاصة أن المجتمع الدولي أصبح أكثر انخراطًا بعد عامين من الحرب المستمرة.
اختراق تاريخي أو فشل كارثي
كما يشدد أحمد زيدان، المحلل بشؤون الشرق الأوسط، على أن المفاوضات الحالية تحمل في طياتها إمكانيات “اختراق تاريخي” أو “فشل كارثي”، ولا مجال للمنطقة للبقاء في حالة الجمود الحالية. فكل طرف يعي أن تكلفة استمرار الحرب أصبحت باهظة، وأن الضغوط الدولية تتزايد يومًا بعد يوم.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تضع سقفًا زمنيًا ضيقًا لهذه المفاوضات، لا يتجاوز بضعة أيام، وهو ما يعكس رغبتها في إحداث اختراق سريع قبل أن تتآكل الزخمات الدبلوماسية، كما أن مشاركة شخصيات مثل جاريد كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف تعني أن البيت الأبيض يتابع التفاصيل لحظة بلحظة.
ويرى “زيدان” أن النجاح يعتمد بالأساس على مرونة الوفدين وقدرة الوسطاء على تجاوز العقبات التقنية والسياسية. وإذا تم التوصل إلى صفقة تبادل ناجحة، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول قد تفتح الباب أمام وقف النار الدائم، ثم مفاوضات سياسية أوسع.
ويختم بالقول إن المنطقة أمام مفترق طرق: إما بداية مسار سلام جديد تُبنى عليه ترتيبات شاملة، أو انتكاسة تعيد الجميع إلى دائرة العنف والفوضى.




