تعد مقبرة مأمن الله من أقدم وأشهر المقابر الإسلامية في القدس، وهي واحدة من أكبر المقابر في فلسطين، حيث تمتد على مساحة تبلغ 200 دونم. تأسست هذه المقبرة خلال الفترة الإسلامية منذ فتح القدس عام 636م، وشهدت مرور العديد من الحقب التاريخية الهامة في تاريخ المدينة، مثل الفتح الإسلامي، مرورًا بالعهد الأيوبي، ثم العهد المملوكي، وصولًا إلى العهد العثماني. ويُذكر أن هذه المقبرة ضمت قبور العديد من الصحابة والمجاهدين الذين شاركوا في فتح القدس، بالإضافة إلى علماء وفقهاء وأعيان المدينة الذين دفنوا فيها على مدار القرون.
حظر دفن الموتى
فيما يتعلق بتسمية المقبرة، هناك عدة روايات تشير إلى أن اسم “مأمن الله” مشتق من بركة مياه كانت تقع في المنطقة. وتُرجح بعض الروايات الأخرى أن الاسم يرتبط بكلمة “ماملا”، التي تعني “الماء من الله”، فيما أشار آخرون إلى أن الاسم يعود إلى قديسة بيزنطية. كما يُطلق على المقبرة أسماء أخرى مثل “باب الله” و”زيتونة الملة”، وأطلق عليها اليهود اسم “بيت ميلو”.
لقد كانت مقبرة مأمن الله طوال تاريخها مكانًا دينيًا وثقافيًا هامًا، حيث استخدمها المسلمون على مدار قرون طويلة لدفن موتاهم، وقد شهدت تطورًا في موقعها وحجمها مع مرور الزمن. في العهد العثماني، تم إحاطتها بسور، وظلت المقبرة تُستخدم حتى عام 1927م، حيث أصدر المجلس الإسلامي الأعلى قرارًا بحظر دفن الموتى فيها بسبب الاكتظاظ وارتفاع المباني حولها.
تغيير معالم المقبرة
لكن منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للقدس في عام 1948، بدأت معالم المقبرة تتعرض للدمار والتغيير. ففي العام 1947، استولى الجيش البريطاني على جزء من المقبرة وهدم أجزاء من سورها، ثم تتابع الاحتلال الإسرائيلي بعد ذلك ليشمل جميع المناطق الغربية للقدس، بما في ذلك المقبرة. وفي عام 1967، بعد احتلال القدس الشرقية، قررت إسرائيل تغيير معالم المقبرة، فحوّلت جزءًا منها إلى حديقة عامة أطلقت عليها “حديقة الاستقلال”، وبدأت في تجريف القبور ونبش العظام، وإقامة شوارع ومرافق جديدة داخل الموقع.
لم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل أقدمت إسرائيل على إحداث انتهاكات أخرى جسيمة، ففي عام 1985، قامت وزارة المواصلات بإنشاء موقف سيارات على جزء كبير من المقبرة، ثم في سنوات لاحقة، بين عامي 1985 و1987، بدأت عمليات حفر جديدة لتوسيع المرافق، مما أدى إلى تدمير المزيد من القبور ودفن العظام. وفي عام 2002، أعلنت السلطات الإسرائيلية عن خطط لإقامة مبنى للمحاكم الإسرائيلية في المقبرة، بينما في عام 2004، أُعلن عن افتتاح “متحف التسامح” على ما تبقى من المقبرة، وهو مشروع استكملته إسرائيل في 2008.
هذه الانتهاكات أسفرت عن إحداث تغييرات دائمة في معالم المقبرة، حيث أصبح ما تبقى منها يشكل أقل من 5% من مساحتها الأصلية، أي نحو 19 دونمًا فقط من أصل 200 دونم كانت المقبرة تحتلها. وما تبقى من القبور في هذه المساحة الصغيرة يعاني من التدمير المستمر، مما ينعكس بوضوح على طمس معالم التاريخ الديني والثقافي للقدس وفلسطين بشكل عام.
طمس المعالم التاريخية
وفيما يتعلق بالأهمية التاريخية والدينية للمقبرة، فقد شهدت دفن العديد من الشخصيات الإسلامية البارزة مثل الصحابة والمجاهدين، وأعلام في الفقه والتاريخ، بينهم الأمير علاء آيدغدي بن عبد الله الكبكي والفقيه ضياء الدين الهكاري. وقد كانت المقبرة طوال أكثر من 900 عام موطنًا لدفن معظم وفيات المسلمين في القدس، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي جعلها هدفًا للتغيير المكاني والثقافي عبر فترات متعاقبة.
مقبرة مأمن الله، التي كانت ذات يوم رمزًا للتراث الإسلامي والديني في القدس، باتت اليوم تمثل أحد أبرز الأمثلة على محاولات الاحتلال الإسرائيلي لطمس المعالم التاريخية والدينية الفلسطينية. في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل إجراء مشاريع تهدف إلى تحويل هذه المواقع التاريخية إلى مساحات ثقافية أو سياحية تخدم الأهداف الاستيطانية، لا تزال المقبرة شاهدًا حيًا على معاناة الفلسطينيين في الدفاع عن هويتهم الثقافية والدينية في وجه الاحتلال المستمر.







