واشنطن – بعد مرور عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لا تزال قضية جيفري إبستين تُلقي بظلالها الثقيلة على الولاية الثانية للرئيس الأمريكي، في مفارقة سياسية تُحرج الرجل الذي بنى جزءًا من خطابه على وعود كشف “الحقائق المخفية” ومواجهة ما يسميه بـ“الدولة العميقة”.
فبعد أن وعد ترامب خلال حملته الانتخابية بكشف جميع تفاصيل ملف الممول المدان بجرائم استغلال جنسي، بدا البيت الأبيض مترددًا في رفع السرية الكاملة عن القضية، ما ساهم في تعميق الشكوك داخل قاعدته الشعبية، وخلق حالة من النفور لدى شريحة من أنصاره الذين رأوا في هذا التباطؤ تناقضًا صارخًا مع وعود الشفافية.
علاقة قديمة تعود إلى الواجهة
رغم محاولاته المتكررة صرف انتباه الإعلام، فإن العلاقة السابقة التي ربطت ترامب بإبستين لا تزال تطارده سياسيًا. فوفاة الأخير داخل زنزانته عام 2019، قبل أن يدلي بشهادات قد تكون حاسمة، جعلت من الملف أرضًا خصبة لنظريات المؤامرة التي انتشرت بقوة داخل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”.
ويؤكد لوريك هينيتون، المتخصص في الشؤون الأمريكية، أن ترامب “ليس غريبًا عن هذا النوع من الخطاب”، مذكرًا بأن مسيرته السياسية بدأت عمليًا مع الترويج لنظرية التشكيك في مكان ولادة الرئيس الأسبق باراك أوباما، في مثال مبكر على استثماره السياسي لنزع الثقة من الروايات الرسمية.
وعود بالكشف… ثم تراجع
خلال حملة 2024، لمح ترامب إلى استعداده للكشف عن جميع تفاصيل القضية، وهو ما عززه لاحقًا بتعيين شخصيات معروفة بعدائها لما يُعرف بـ“الدولة العميقة” في مواقع حساسة، على رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وفي فبراير، رفعت المدعية العامة آنذاك بام بوندي سقف التوقعات عندما أعلنت أن ملفات إبستين “باتت جاهزة للمراجعة”. لكن سرعان ما تبيّن أن الدفعة الأولى من الوثائق التي نُشرت لم تحمل جديدًا يُذكر، إذ كانت معظمها قد رُفعت عنها السرية سابقًا، ما أدى إلى خيبة أمل واسعة داخل أوساط مؤيدي ترامب.
صدام مع القاعدة الشعبوية
بلغ التوتر ذروته في يوليو، عندما خلصت مذكرة مشتركة لوزارة العدل وFBI إلى عدم وجود أدلة جديدة، ولا “قائمة عملاء” سرية، ولا مؤشرات موثوقة على عمليات ابتزاز. هذا الإعلان فجّر موجة غضب داخل حركة “ماغا”، التي رأت فيه خيانة لخطاب الرئيس نفسه.
ويصف هينيتون هذا الوضع بأنه “الفخ الكلاسيكي للشعبوية عند وصولها إلى السلطة”، موضحًا أن “من يبني خطابه على التشكيك في الدولة، يجد نفسه عاجزًا عن إقناع أنصاره عندما يصبح هو من يديرها”.
انقسام داخل المعسكر الجمهوري
لم يقتصر الغضب على القاعدة الشعبية، بل امتد إلى داخل الحزب الجمهوري، حيث اضطر ترامب تحت ضغط حزبي متزايد إلى دعم تصويت في الكونغرس للإفراج عن ملفات إبستين. غير أن النشر الجزئي والانتقائي للوثائق، الذي ركز أساسًا على علاقات إبستين بشخصيات ديمقراطية بارزة، لم يؤدِّ إلا إلى زيادة الشكوك.
وبحسب القانون، كان يفترض نشر الملف كاملًا بحلول 19 ديسمبر، إلا أن الإدارة اكتفت بالكشف عن نحو 10% فقط من الوثائق، فيما خضعت أجزاء واسعة لعمليات تنقيح وحجب، بدعوى حماية الضحايا.
أزمة ثقة تتجاوز القضية
رغم عدم ظهور أي دليل قاطع يدين شخصيات بعينها، فإن طريقة إدارة الملف باتت بحد ذاتها مصدر أزمة. فالتدرج في النشر، والتحذيرات الرسمية من “ادعاءات كاذبة”، وحجب صفحات كاملة، كلها عناصر غذّت الشكوك بدل احتوائها.
وفي نهاية المطاف، لم تعد قضية إبستين مجرد ملف قضائي عالق، بل تحولت إلى اختبار سياسي حاد لترامب في ولايته الثانية، ومرآة لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة السلطة بخطاب المؤامرة الذي غذّته ثم وجدت نفسها أسيرة له.






