تُمثّل أزمة الجوع في قطاع غزة اليوم مأساة إنسانية عميقة، تتجاوز في أبعادها مجرد غياب الغذاء أو الدواء، لتتحول إلى تهديد شامل لبقاء المجتمع الفلسطيني بأكمله. في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من عشرين شهرًا، يُعاني أكثر من ثلث سكان القطاع من الجوع الحاد، بينما يواجه مئات الآلاف من الأطفال والنساء ظروفًا تقوّض أي إمكانية للنمو الجسدي أو العقلي السليم، ما يضع مستقبل فلسطين التنموي على المحك.
كسر إرادة الفلسطينيين
ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة طارئة، بل كارثة مستمرة تُدار بوعيٍ سياسي ومقصود من قبل دولة الاحتلال، حيث يُستخدم الحصار والتجويع كسلاح حرب فعّال. وقد وصف الدكتور غسان أبو مطر، الخبير في اقتصاديات التمويل، الوضع في غزة بأنه غير مسبوق في التاريخ الحديث، مؤكدًا أن حجم التجويع المتعمد ونقص الغذاء والماء يشكلان جريمة بموجب القانون الدولي، ويمثلان انتهاكًا لاتفاقيات جنيف، بل وقد ترقى هذه السياسات إلى جرائم إبادة جماعية.
هذا التجويع الممنهج لا يستهدف فقط أجساد الفلسطينيين، بل يهدف إلى كسر إرادتهم. فحرمان الأطفال من الغذاء الكافي لا يؤدي فقط إلى التقزم وسوء النمو، بل ينتج جيلاً كاملاً ضعيفاً بدنياً ومعرفياً، في حلقة ممتدة من الفقر والتهميش، لا تنتهي بانتهاء الحرب. إن سرقة الطفولة في غزة ليست حادثاً عارضاً بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية سياسية تستهدف تقويض مقوّمات الحياة والمقاومة معًا.
أرقام صادمة
الإحصائيات الصادرة من وزارة الصحة في القطاع والمنظمات الدولية، تصف واقعًا بالغ القسوة: 162 شهيدًا على الأقل بسبب الجوع، مليون امرأة وفتاة على شفا المجاعة، و17 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد. وفي الخلفية، تتفاقم المعاناة بسبب انهيار النظام الصحي، ونقص الأدوية الأساسية، ومنع دخول المساعدات، أو نهبها على يد عصابات محلية وسط غياب كامل للرقابة.
الأزمة الاقتصادية، بدورها، تضاعف من وطأة الجوع. فالحرب دمّرت البنية التحتية وأدت إلى انهيار الناتج المحلي في غزة بنسبة 83%، بينما قفزت معدلات البطالة إلى 79%. وترافقت هذه الأرقام مع تضخم تجاوز 300%، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية، التي باتت نادرة الوجود. البنك الدولي وصف الحرب الحالية بأنها “أعنف صدمة اقتصادية تتعرض لها فلسطين منذ أكثر من ثلاثة عقود”، وتقدّر الخسائر الكلية في رأس المال والبنية التحتية بنحو 30 مليار دولار.
غير أن الأرقام وحدها لا تفي بالغرض لفهم عمق الكارثة. فآثار الحرب والجوع لا تتوقف عند حاضر غزة، بل تمتد إلى المستقبل القريب والبعيد. فبحسب الخبراء في مجالات التغذية والطب، فإن الجوع يخلّف أثارًا تتجاوز الحياة اليومية لتصل إلى التكوين الجيني للأجيال القادمة، مما يعني أن ما يعانيه أطفال اليوم في غزة سينعكس صحياً وذهنياً على أحفادهم. وقد أثبتت دراسات في سياقات شبيهة أن سوء التغذية المزمن يغيّر في أداء الجينات، ويقلّل من إنتاجية الأفراد مدى الحياة.
غزة منطقة منكوبة
في هذا السياق، يعتبر التقزّم أحد أكثر أشكال الجوع فتكاً، لأنه يمثّل نتيجة دائمة لنقص الغذاء والرعاية الصحية في السنوات الأولى من العمر. ويؤثر التقزّم ليس فقط على الطول أو البنية الجسدية، بل على القدرة العقلية والتحصيل العلمي وحتى دخل الفرد في المستقبل. ومن ثمّ، فإن الجوع في غزة لا يُسرق منه الحاضر فقط، بل يُسلب منه المستقبل أيضًا، عبر توليد أجيال محاصرة في دوائر الضعف والعجز وانعدام الفرص.
أما المجتمع الدولي، ورغم التحذيرات الصادرة عن منظمات مثل “أونروا” وبرنامج الغذاء العالمي، فإنه لا يزال عاجزاً – أو غير راغب – في اتخاذ خطوات جادة توقف هذه الكارثة. وحتى اليوم، لم تُنفّذ مطالبات الأمين العام للأمم المتحدة بإعلان غزة “منطقة منكوبة”، ولم تُوفّر ممرات آمنة كافية لإدخال المساعدات، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول أخلاقيات النظام الدولي ومصداقيته في حماية المدنيين.
إنقاذ غزة
إن تجويع غزة ليس مجرد عرض من أعراض الحرب، بل هو تكتيك مُمنهج ذو نتائج مدمّرة على كافة المستويات: الإنسانية، الصحية، الاقتصادية، والاجتماعية. وهو ما يجعل إنهاء هذا الحصار – بكل أدواته – ضرورة ملحّة ليس فقط لحماية الحياة في غزة، بل لإنقاذ ما تبقى من فكرة العدالة في هذا العالم.
الجوع في غزة ليس حدثاً طارئاً… بل سياسة. وليس فقط قتلاً صامتاً… بل رسالة واضحة بأن ما يُراد من هذه الحرب لا يقتصر على الأرض، بل يشمل الإنسان والهوية والمستقبل.






