في بيتٍ فلسطيني صغير، يجلس أبو كريم متأملاً دفتر ملاحظاته الذي امتلأ بالحسابات الناقصة والديون المؤجلة. يعمل الرجل موظفاً في إحدى الوزارات منذ أكثر من عشرين عاماً، اعتاد أن يقبض راتبه آخر كل شهر ليعيل أسرته، يدفع أقساط الجامعة لابنته الكبرى، ومصاريف المدرسة لابنيه الصغيرين. لكن منذ شهور طويلة لم يعد الراتب يصل بانتظام، وأصبح وصول نصفه أو ثلثه أشبه بجرعة أوكسجين مؤقتة لا تكفي للحياة.
تأخر صرف الرواتب
في البيت المقابل، أم رنا تفكر بحيرة في كيفية شراء الزي المدرسي الجديد لطفلتها، بعدما تأخر صرف الرواتب لشهرين متتاليين. المدرسة بدأت العام الدراسي بعد تأجيل طويل، لكن العجز في ميزانية وزارة التربية قلّص أيام الدراسة. ابنتها لا تفهم معنى “أزمة مالية”، لكنها تسأل: “لماذا لم نشترِ حقيبة جديدة هذا العام؟” فتكتفي الأم بابتسامة باهتة، تخفي خلفها شعوراً بالعجز والخوف من المستقبل.
في مستشفى رام الله الحكومي بالضفة الغربية، يقف الممرض تيسير في قسم الطوارئ، منهكاً بعد مناوبة استمرت أكثر من 18 ساعة. منذ أسابيع لم يتلقَ سوى نصف راتبه، لكنه يواصل عمله مدفوعاً بالشعور بالمسؤولية. يقول بصوت منخفض: “هؤلاء المرضى لا ذنب لهم… نحن لا نستطيع تركهم”. لكن داخله يغلي بالقلق؛ فهو نفسه لم يتمكن من دفع إيجار شقته، ويخشى أن يجد أسرته في الشارع إن استمرت الأزمة.
قصص إنسانية يومية
الأزمة المالية التي تضرب السلطة الفلسطينية لم تعد أرقاماً تُتداول في نشرات الأخبار أو بيانات وزارة المالية، بل باتت قصصاً إنسانية يومية ترويها وجوه متعبة، وقلوب معلّقة بين الانتظار واليأس. الأطفال الذين يتأخرون عن مدارسهم، الأسر التي تعجز عن دفع فواتير الماء والكهرباء، الشبان الذين يحلمون بالهجرة بعدما ضاقت بهم السبل، والمرضى الذين يخشون انقطاع الأدوية بسبب نقص التمويل.
بين كل هذه التفاصيل، يتردد سؤال واحد في بيوت الفلسطينيين: “إلى متى؟”. إذ يرون أن صراع السياسة والقرارات الإسرائيلية التي تحجب أموالهم وتحاصر معيشتهم، لا يُترجم إلا بمزيد من المعاناة اليومية، التي تهدد حياتهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم.




