أعادت واقعة المشادّة التي جرت بين أحد المعتمرين المصريين ورجل أمن في الحرم المكي طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين الأمن والعبادة في الأماكن المقدسة، وحول كيفية إدارة المشاعر الدينية في أكثر بقاع الأرض قداسة وسط التزاحم البشري الهائل الذي تشهده مواسم العمرة والحج. فبينما رآها البعض حادثًا فرديًا لا يستحق التضخيم، اعتبرها آخرون مؤشراً على التحديات الدائمة التي تواجهها السلطات السعودية في تحقيق التوازن بين قدسية المكان وحفظ النظام العام.
المشهد الذي التقطته عدسة أحد المارة وانتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي، كشف بوضوح حجم التفاعل الحساس تجاه كل ما يجري في الحرمين الشريفين، وكيف يمكن لحادثة محدودة أن تتحوّل في دقائق إلى قضية رأي عام عابرة للحدود. فقد عبّر كثير من المعلقين المصريين عن استيائهم مما وصفوه بـ”سوء معاملة المعتمر”، فيما رأى آخرون أن المعتمر هو من تجاوز التعليمات وتحدث بانفعال لا يليق بالمكان والموقف. وفي خضم هذا الجدل، سارعت السلطات السعودية إلى ضبط الشخص المخالف وإعلان تطبيق النظام عليه، فيما أصدرت القاهرة بياناً أكدت فيه متابعتها للواقعة مع الرياض في إطار العلاقات الأخوية بين البلدين.
ماذا قال السديس عن الأزمة؟
غير أن البيان الصادر عن الشيخ عبد الرحمن السديس، رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، كان بمثابة توضيح رسمي للنهج الذي تتبعه المملكة في إدارة شؤون الحرمين. إذ شدد على أن الالتزام بتعليمات رجال الأمن والمنظمين ليس فقط واجباً قانونياً، بل هو أيضاً “عبادة وقربة إلى الله”، لأن الهدف من هذه التعليمات هو حفظ الأرواح وصون قدسية المكان. الرسالة كانت واضحة: الأمن في الحرمين ليس عملاً إدارياً فحسب، بل جزء من منظومة دينية وإنسانية متكاملة تُعنى بتنظيم الملايين من الزوار بطريقة تحفظ لهم روحانية العبادة وأمان التجمع.
هذا التوجه السعودي يعكس إدراكاً عميقاً بأن قدسية الحرمين لا تنفصل عن النظام، وأن الإخلال بالانضباط ولو بدافع عاطفي قد يؤدي إلى فوضى تهدد حياة المصلين والمعتمرين. فالحج والعمرة لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن التنظيم الأمني الصارم الذي أثبت عبر السنوات أنه الضمانة الأساسية لنجاح إدارة الحشود الأكبر في العالم. ويُذكر أن الحوادث المأساوية التي شهدتها بعض المواسم في العقود الماضية دفعت السلطات السعودية إلى تطوير منظومات متقدمة للسيطرة على الحشود، تشمل الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة والتوجيه الذكي، إضافة إلى تدريب مكثف لرجال الأمن على التعامل بروح إنسانية عالية مع ضيوف الرحمن.
الدبلوماسية في مواجهة الخطاب الشعبي
ومع ذلك، فإن التفاعل الشعبي مع مثل هذه الحوادث يكشف جانباً آخر من التحدي. فوسائل التواصل الاجتماعي باتت تضخّم المواقف الفردية، وتحوّلها أحياناً إلى مادة سجالية ذات أبعاد سياسية أو قومية. وما جرى في هذه الواقعة لا يخرج عن هذا السياق؛ إذ استُحضرت فيها نبرات قومية بين مصريين وسعوديين على نحو يتنافى مع روح الوحدة الإسلامية التي يفترض أن تسود في الحرمين الشريفين. لكن من جهة أخرى، فإن المتابعة المصرية الرسمية للواقعة تعبّر عن حس مسؤول، إذ أكدت وزارة الخارجية حرصها على التعامل مع الموضوع ضمن القنوات الدبلوماسية، دون تأجيج الخطاب الشعبي.
اللافت في ردود الفعل أيضاً هو حضور أصوات عربية مؤيدة للموقف السعودي، منها تغريدة ضاحي خلفان، نائب قائد شرطة دبي، الذي شدد على وجوب الامتثال التام لأوامر رجال الأمن داخل الحرم، معتبراً أن “الممنوع لدى الأمن ممنوع بحكم النظام، والامتثال للأمر واجب”. هذا التعقيب لم يكن مجرد تضامن مع السلطات السعودية، بل تأكيد على مبدأ احترام النظام في الأماكن المقدسة باعتباره شرطاً لسلامة الجميع. فالإخلال بالنظام في بيئة تضم مئات الآلاف من المصلين قد يتحول في لحظة إلى كارثة.
من الزاوية الدينية، يعبّر موقف السديس عن رؤية متكاملة تربط بين الطاعة الشرعية والنظام العام، إذ يضع الالتزام بالتعليمات الأمنية في مرتبة العبادة، انطلاقاً من أن مقاصد الشريعة تقوم على حفظ النفس والمال والدين والعقل، وكلها مقاصد لا يمكن تحقيقها في بيئة فوضوية. كما أن رجال الأمن أنفسهم، في هذه الرؤية، ليسوا مجرّد منفذين للأوامر، بل شركاء في خدمة ضيوف الرحمن، يتحملون مسؤولية جسيمة تتطلب الصبر والحكمة في مواجهة مواقف متنوعة.
جدل حول فرض الأمن واحترام المعتمرين
ورغم محاولات البعض تصوير الواقعة كدليل على تشدد أمني، إلا أن الواقع يظهر أن المملكة تبذل جهوداً متواصلة في تحسين تجربة الزوار والمعتمرين. فخدمات الحرم المكي تطورت بصورة غير مسبوقة، سواء في إدارة الحشود أو في الخدمات الرقمية والتقنية، كما أن الخطاب الرسمي يؤكد باستمرار على حسن المعاملة والرفق بالحجاج والمعتمرين. لكن هذه الجهود لا تعفي من ضرورة فرض الانضباط عند الحاجة، خصوصاً عندما تتعارض التصرفات الفردية مع مصلحة الجماعة.
من جانب آخر، تثير الحادثة نقاشاً أعمق حول ثقافة الامتثال للنظام في المجتمعات العربية. إذ تكشف ردود الأفعال المتباينة عن فجوة بين الفهم العاطفي للدين كعلاقة فردية وبين إدراكه كمنظومة تنظم السلوك الجماعي. فالحج والعمرة ليسا فقط عبادتين روحيتين، بل أيضاً ممارسة تنظيمية جماعية تتطلب وعياً ومسؤولية. وفي غياب هذا الوعي، تتحول المشاعر الصادقة أحياناً إلى فوضى غير مقصودة.
تُظهر هذه الواقعة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حادثة بعينها، بل في كيفية إدارة العلاقة بين الأمن والمقدس في زمن التواصل الفوري والرقابة الجماهيرية. فالمملكة السعودية، التي تضع أمن الحرمين في صدارة أولوياتها، تواجه اليوم اختباراً جديداً في الحفاظ على هيبة النظام من دون الإضرار بصورة الانفتاح والرحمة التي تسعى لترسيخها. أما الدرس الأعم، فهو أن قدسية المكان لا تُصان بالشعارات، بل بالانضباط، وأن الطاعة في مواضع النظام ليست انتقاصاً من الكرامة، بل صون لها. ومن هنا، تبدو كلمات السديس أكثر من مجرد توجيه ديني؛ إنها إعلان لمبدأ إداري وأخلاقي في آن واحد، مفاده أن حفظ النظام في الحرمين عبادة، وأن أمن المقدسات مسؤولية الجميع.ر






