تتسارع المؤشرات في الملف الأوكراني على وقع تصريحات روسية وأميركية متباينة، تعكس في ظاهرها استعداداً للحوار، لكنها تكشف في جوهرها تعقيدات عميقة تحول دون اقتراب أي تسوية. ففي مؤتمر صحفي جمعه بوزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الرئيس فلاديمير بوتين “مستعد للقاء نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي”، لكنه شدد على أن أي لقاء كهذا يحتاج إلى تحضير طويل ومكثف من قبل الخبراء والوزراء، حتى لا يتحول إلى مجرد لقاء بروتوكولي فارغ المضمون.
لافروف لم يكتف بالتشديد على شروط التحضير، بل أثار قضية أكثر حساسية تتعلق بـ”شرعية من سيوقع على أي اتفاق باسم أوكرانيا”، في إشارة إلى أن زيلينسكي نفسه لا يزال مقيّداً بمرسوم رئاسي أصدره قبل ثلاث سنوات يمنع التفاوض المباشر مع الرئيس الروسي. وبذلك، يلمّح لافروف إلى أن أي حديث عن لقاء قمة يبقى بلا قيمة ما لم يتم التراجع عن هذا القرار الذي يمثل في نظر موسكو “عائقاً قانونياً وسياسياً”.
في المقابل، حاول الوزير الروسي التقليل من جدية خطاب زيلينسكي الداعي إلى القمة، واعتبره مجرد “استعراض مسرحي” يهدف لإظهار روح بنّاءة زائفة، أكثر منه سعياً إلى تفاهمات حقيقية. وذهب أبعد من ذلك حين شبّه تحركات الرئيس الأوكراني بعروضه الكوميدية السابقة في فرقة “كفارتال 95″، معتبراً أن الرجل يكرر أسلوب المسرح الجامعي في السياسة، بدل الانخراط في عملية تفاوضية جدية.
اللافت أن هذه التصريحات الروسية جاءت بعد أيام قليلة من مداخلة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدا أكثر تفاؤلاً حيال إمكانية لقاء يجمع بوتين وزيلينسكي. ففي مقابلة مع الصحفي مارك ليفين في 19 أغسطس، قال ترامب إنه يرى أن “القرارات الكبرى بشأن حل الصراع في أوكرانيا يجب أن يتخذها الرئيسان بوتين وزيلينسكي بشكل مباشر”، مؤكداً أن الولايات المتحدة بعيدة جغرافياً عن مسرح العمليات العسكرية، وأن أفضل ما يمكن أن يحدث هو أن يجلس الرجلان وجهاً لوجه ليبحثا عن مخرج. وأشار ترامب إلى أنه التقى كلاً من بوتين وزيلينسكي سابقاً في لقاءات وصفها بـ”الناجحة”، وأنه لا يمانع في أن يعقدا قمتهما بعيداً عنه، ليتضح ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات المحتملة.
بين الخطابين الروسي والأميركي، يبرز التباين الواضح: موسكو تضع الشروط المسبقة وتصر على جدية التحضير قبل أي لقاء، فيما واشنطن تحاول الإيحاء بأن الطريق إلى الحوار بات أقصر، معوّلة على إرادة الزعيمين في تجاوز العقبات. غير أن الواقع السياسي والعسكري يوحي بأن المسافة لا تزال طويلة، وأن الحديث عن قمة بوتين–زيلينسكي في المدى القريب يبقى أقرب إلى تكتيك سياسي منه إلى مؤشرات على اتفاق وشيك.






