رغم مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب في غزة، ورغم الكلفة البشرية والمادية التي تكبدها القطاع، تواصل حركة حماس إصرارها على نهجها المتشدد، المتسم بالجمود الفكري والانغلاق السياسي، ورفض أي مقاربة براغماتية قد تساهم في إنقاذ ما تبقى من غزة. الحركة التي نشأت في سياق المقاومة، تحولت تدريجيًا إلى سلطة أمر واقع، تُدير القطاع بقبضة أمنية، وتُقصي خصومها، وترفض حتى اللحظة الدخول في تسويات واقعية، أو تقديم تنازلات سياسية قد تفتح بابًا لإنهاء المعاناة المتفاقمة.
هشاشة البنية القيادية داخل الحركة
اغتيال إسماعيل هنية ويحيى السنوار وغيرهم من قيادات الصف الأول لم يكن مجرد ضربة عسكرية إسرائيلية مركّزة، بل كشف أيضًا هشاشة البنية القيادية داخل الحركة، التي ارتبطت طويلًا بالكاريزما الفردية وقرارات النخبة الضيقة، دون مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة في غياب القادة المركزيين. وبدل أن تستغل الحركة هذا الفراغ لتوسيع دوائر القرار، وإشراك باقي الفصائل الفلسطينية بما يحفظ التوازن الوطني، تمادت أكثر في فرض رؤيتها الأيديولوجية المغلقة على كامل المسار السياسي.
حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة في عام 2007، اختارت الحكم بالقوة بدل التوافق، ورفضت التزامات منظمة التحرير الفلسطينية، وعطّلت إمكانية بناء مشروع وطني موحّد. وتحت مبرر “المقاومة”، حكمت بلا مساءلة، وسخّرت المؤسسات لصالحها، وأقامت نظامًا موازياً لا يعترف بالآخر، سواء كان خصمًا سياسيًا أو شريكًا مفترضًا.
مجلس قيادي غامض
في الحرب الأخيرة، ظهر جليًا أن قيادة حماس وضعت قطاع غزة في فوهة المدفع، وهي تعلم أنها عاجزة عن الصمود في وجه آلة عسكرية إسرائيلية ضخمة، لكنها فضّلت أن تُملي شروطها على حساب المدنيين، حتى وهي تتلقى الضربات المتتالية، ويُقتل الآلاف من سكان غزة، وتُدمّر البنية التحتية، وتُقطع سبل العيش. ورغم كل ذلك، لم تُظهر الحركة أي مرونة تذكر في المفاوضات، بل لا تزال تُراوغ وتُطيل أمد المحادثات، بحجة المشاورات الداخلية و”الإجماع الفصائلي”، بينما الواقع يُظهر أن قرار الحرب والسلم لا يزال محصورًا في يد مجموعة محدودة من القادة.
منذ اغتيال هنية والسنوار، لجأت الحركة إلى مجلس قيادي غامض، غير منتخب ولا معروف بوضوح للرأي العام الفلسطيني. ورغم ادعاءها بمشاركة الفصائل في صنع القرار، فإن تلك المشاركة لا تتعدى المشورة الشكلية، دون وجود آلية حقيقية لبناء توافق وطني. الحركة لا تزال ترى نفسها “المرجعية”، بينما الشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن الأكبر.
الإصرار على المواقف القصوى، ورفض التنازل أو التدرّج في المطالب، يجعل من حماس جزءًا من مأساة غزة لا من حلّها. فالمقاومة التي لا تُوازن بين الكفاح والواقعية السياسية، تتحول إلى عبء، خاصة عندما تضع “الانتصار الرمزي” فوق حياة الناس، ولا تعبأ بأن حربها الأخيرة دمرت القطاع، وخلّفت مئات الآلاف من المشردين، وقتلت عشرات الآلاف، دون أن تغيّر شيئًا جوهريًا في ميزان الصراع.
غزة ليست ملكًا لحماس
لقد آن الأوان أن تُدرك حماس أن غزة ليست ملكًا لها، وأن استمرار انفرادها بالحكم بالقوة هو أحد الأسباب الرئيسة في انسداد الأفق السياسي. المطلوب ليس استسلامًا كما قد تدعي، بل شجاعة للاعتراف بالأخطاء، وجرأة في مراجعة الفكر المتطرف الذي يرى في التنازل خيانة، وفي التعددية ضعفًا، وفي أي انفتاح على الآخر تهديدًا.
غزة لن تُبنى من تحت الأنقاض بخطابات المقاومة وحدها، بل بحاجة إلى قيادة جديدة تُؤمن بأن الحياة والكرامة والحرية لا تنفصل عن الواقعية السياسية. وهذه خطوة يبدو أن حماس غير مستعدة لاتخاذها حتى الآن.







