تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدا ميدانيا متواصلا من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، في مشهد يكرّس اتساع رقعة العدوان وتعدد جبهاته، حيث يتداخل القمع العسكري مع الاعتداءات الاستيطانية في محاولة لإحكام السيطرة على الأرض وإضعاف صمود الفلسطينيين.
خلال الساعات الماضية، نفذت قوات الاحتلال سلسلة من الاقتحامات والمداهمات في مدن وبلدات عدة، أبرزها طوباس ورام الله ونابلس وبيت لحم وقلقيلية وطولكرم، ترافق معها اعتقالات جماعية واعتداءات على منازل وممتلكات المواطنين. اللافت أن هذه العمليات لم تقتصر على الاعتقالات، بل شملت إطلاق قنابل الغاز تجاه المنازل، تخريب المحال التجارية، وإزالة الجداريات والأعلام الفلسطينية، في سياق حرب رمزية تستهدف محو مظاهر الهوية الوطنية.
حجم التصعيد الاستيطاني
وفي الوقت ذاته، يواصل المستوطنون اعتداءاتهم المنظمة على القرى والبلدات الفلسطينية، مستخدمين الرصاص الحي ضد لجان الحماية المحلية كما حدث في بلدة سنجل، وذلك في ظل حماية غير معلنة من الجيش الإسرائيلي. الأرقام الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تكشف حجم التصعيد الاستيطاني، حيث سُجّل في يوليو/تموز وحده 466 اعتداء، تسببت باستشهاد فلسطينيين وتهجير قسري لعشرات العائلات البدوية، إضافة إلى الشروع بمحاولات لإقامة بؤر استيطانية جديدة. هذا يوضح أن الاعتداءات لم تعد مجرد حوادث فردية، بل هي جزء من سياسة ممنهجة لتوسيع الاستيطان وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
يتكامل هذا التصعيد في الضفة مع حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، وأدت إلى نزوح مئات الآلاف ووقوع مجاعة أودت بحياة مئات المدنيين. بذلك، يبدو أن إسرائيل تعتمد إستراتيجية موازية: إبادة في غزة من خلال القتل والتجويع والتدمير، وتفريغ في الضفة عبر الاعتقالات والتهجير والاستيطان، في مسعى لإضعاف المجتمع الفلسطيني على المستويين البشري والجغرافي.
فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية
إزاء ذلك، يمكن القول إن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية كما تحاول إسرائيل تبريرها، بل هو جزء من مخطط أشمل لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، مستندة إلى الغطاء الأميركي والدولي الذي يكتفي ببيانات الإدانة دون اتخاذ خطوات رادعة. غير أن استمرار هذه السياسات يزيد من حالة الغليان الشعبي ويغذي المقاومة، وهو ما ينذر بجولة جديدة من المواجهات المفتوحة، خاصة في ظل إدراك الفلسطينيين أن ما يتعرضون له ليس سوى فصل من مشروع يهدف إلى اقتلاعهم من أرضهم.







