عند الساعة 14:05 ظهرًا من يوم السادس من أكتوبر 1973، انطلقت صافرات الحرب معلنة بداية عملية قلبت موازين القوة في الشرق الأوسط. في لحظةٍ متزامنة مع يوم “كيبور” المقدّس لدى الإسرائيليين، اجتاحت الطائرات المصرية سماء سيناء في قصف مركز على المواقع الإسرائيلية، بينما دوّت أكثر من ألفي مدفعية على طول القناة، مُحدثةً ما وصفه شهود تلك اللحظة بأنه “زلزال على الجبهة الشرقية”.
وفيما كانت القيادة الإسرائيلية تعتقد أن أي هجوم محتمل قد يأتي في المساء، باغتت مصر الجميع ببدء العبور عند الثانية ظهرًا. عبرت مئات القوارب المحمّلة بالجنود المشاة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، تحت ستار دخان كثيف، فيما تسلّلت وحدات الهندسة لفتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف باستخدام مضخات المياه. خلال ساعات قليلة، رفع الجنود المصريون أول علم على الضفة الشرقية، في لحظةٍ وصفها المؤرخون بأنها أعادت الكرامة للعرب بعد هزيمة 1967. (Operation Badr – Wikipedia)
الصدمة في تل أبيب: انهيار صورة “الجيش الذي لا يُقهَر”
حين بدأت أنباء عبور القوات المصرية تنتشر في تل أبيب، بدت كأنها زلزال يهز الثقة بالمنظومة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بأكملها. فقد بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ 1967 على أساس أن العرب غير قادرين على شنّ هجوم واسع النطاق، وأن جيش الدفاع، بما يملكه من تفوق جوي وتقني، قادر على إحباط أي محاولة قبل أن تتبلور. لذلك كان صباح السادس من أكتوبر في إسرائيل اعتياديًا، يطغى عليه شعور الطمأنينة الذي عززته تقديرات الاستخبارات بأن المصريين لن يجرؤوا على العبور. لكن مع حلول الثانية ظهرًا، انقلبت المعادلة رأسًا على عقب.
وصف المؤرخ الإسرائيلي أبراهام رابينوفتش في كتابه حرب يوم الغفران تلك اللحظة بأنها “أكبر مفاجأة تعرضت لها إسرائيل منذ قيامها”؛ إذ فوجئت القيادة بأن قناة السويس لم تعد خطًا آمنًا بل صارت معبرًا لقوات المشاة المصرية التي اندفعت إلى الضفة الشرقية تحت غطاء مدفعي كثيف. هذا المشهد حطّم ما سمّاه الإسرائيليون “المفهوم” أو الـ Concept، وهي النظرية الاستخباراتية التي افترضت أن مصر لن تدخل حربًا شاملة ما لم تحصل على تفوق جوي، وهو ما لم يتحقق قبل أكتوبر. (Rabinovich, The Yom Kippur War)
في تل أبيب، اجتمع مجلس الوزراء المصغر للشؤون الأمنية على عجل، وسط حالة ارتباك غير مسبوقة. لجنة أجرانت التي شُكلت لاحقًا للتحقيق في أسباب الفشل، أقرت بأن الجيش دخل الحرب “من دون خطة واضحة” وأن الاستخبارات تجاهلت إنذارات متكررة عن نوايا مصر وسوريا. بل إن رئيس الاستخبارات العسكرية إيلي زعيرا اعترف لاحقًا بأن “المفهوم” كان خطأً استراتيجيًا، وأن التمسك به جعل إسرائيل عمياء أمام التحضيرات المصرية. (Agranat Commission Report, 1974)
في الشارع الإسرائيلي، كانت الصدمة أكبر. وسائل الإعلام وصفت الساعات الأولى بـ “أيام الرعب”، بعدما بدأت حصون بارليف التي صُوّرت لسنوات باعتبارها حصونًا منيعة تسقط واحدًا تلو الآخر. المواطنون الذين اعتادوا على صورة “الجيش الذي لا يُقهر” رأوا بأعينهم أن هذا الجيش يمكن أن يُفاجأ ويُهزم. الباحث الأمريكي بروس ريدل وصف الموقف في دراسة لمعهد بروكينغز بأن “حجم الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي في 1973 لا يزال مذهلًا حتى اليوم”، مؤكدًا أن الغرور الذي سيطر على المؤسسة العسكرية والسياسية آنذاك أدى إلى نتائج كارثية. (Brookings Institute)
هكذا، لم تكن صدمة تل أبيب مجرد انهيار لخط دفاعي، بل انهيار لصورة كاملة تشكلت بعد 1967. فجيش الدفاع الذي كان يقدَّم باعتباره القوة التي لا تُقهر، وجد نفسه لأول مرة في موقف دفاعي مرتبك، يلهث خلف الأحداث بدل أن يقودها. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المعادلة في الشرق الأوسط كما كانت من قبل.
اقتباسات من إسرائيل تعترف بتأثير العبور
لجنة أجرانت (Agranat Commission)
بعد الحرب، شكّلت الحكومة الإسرائيلية لجنة رسمية تُدعى “لجنة أجرانت” للتحقيق في لماذا فُوجئت إسرائيل بهجوم أكتوبر رغم وجود مؤشرات. اللجنة وجدت أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (أمان) أخفق في تقدير نوايا مصر وسوريا، وألقت اللوم جزئيًّا على إيلي زعيرا مدير الاستخبارات آنذاك. Wikipedia+2Army University Press+2
النظام الإسرائيلي نفسه، من خلال هذه اللجنة، أقر أن “شيئًا ما لم يكن على ما يُرام” في تقديرات الحرب، وأن الصدمة التي أصابت الجمهور والقيادة كانت جزءًا من تبعات المفاجأة. National Library of Israel+2Army University Press+2تقارير عن فشل الاستخبارات (Intelligence Failure)
الكثير من الدراسات الإسرائيلية والأجنبية تصف حرب أكتوبر بأنها واحدة من أبرز حالات “فشل الاستخبارات” في التاريخ الإسرائيلي. الباحث Bruce Riedel يشير إلى أن المؤسسات الأمنية الإسرائيلية — رغم التقدّم في القدرات التقنية — لم تستطع ربط المعلومات بالشكل الصحيح وتحليل النوايا العربية. Brookings
يقول في مقاله:“The extent of Israel’s intelligence failure in 1973 is still staggering … shared hubris of the Israeli intelligence and policy communities produced disastrous results.” Brookings
فشل التقدير الاستراتيجي لزعيرا
إيلي زعيرا نفسه — الذي كان على رأس الاستخبارات الإسرائيلية (أمان) حينها — اعترف بأن التقدير العام كان بأن مصر وسوريا لن تشنّا هجومًا، وهو ما عُرف بـ “المفهوم” (The Concept) الذي تبناه الجيش الإسرائيلي قبل الحرب. CIA+3Wikipedia+3Army University Press+3
بعد الحرب، لجنة أجرانت الحمّلت زعيرا المسؤوليّة وأجبرته على الاستقالة. Wikipedia+2Army University Press+2كيف كسرت مصر خط بارليف؟ عبقرية الهندسة والتكتيك
لم يكن خط بارليف مجرد ساتر ترابي عادي، بل كان جدارًا رمليًا شاهقًا بارتفاع يناهز العشرين مترًا، محصنًا بالخرسانة، ومزودًا بالأسلاك الشائكة، والألغام، والتحصينات التي جعلته في نظر قادته الإسرائيليين “سورًا لا يُخترق”. كان الهدف من هذا الحاجز أن يُشكل درعًا نفسيًا قبل أن يكون عسكريًا، يوصل رسالة بأن أي محاولة لعبوره ستكون انتحارًا مؤكَّدًا. غير أن الخطة المصرية وضعت منذ البداية على أساس قلب هذه المعادلة.
في الساعات الأولى من العبور، اختارت القيادة المصرية ألا تهدر الوقت في استخدام المتفجرات أو الجرافات لإزالة الساتر، بل اعتمدت على فكرة مبتكرة اقترحها المهندس العسكري باقي زكي يوسف: استخدام مضخات مياه عالية الضغط لشقّ ثغرات في الجدار الرملي. هذه المضخات، التي وُجهت إلى الساتر لساعات متواصلة، نجحت في تفكيك التربة الرملية وفتح ممرات واسعة عبر الحاجز الذي طالما وُصف بأنه غير قابل للاختراق. وبينما كانت وحدات المهندسين تفتح الطريق بهذه التقنية، كانت المدفعية المصرية تُمطر المواقع الإسرائيلية بقصف كثيف أربك الجنود وأفقدهم القدرة على المقاومة المنظمة.
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فخلال وقت قياسي، كان المهندسون المصريون قد أنجزوا مد الجسور العائمة، وبدأت الدبابات والمعدات الثقيلة في العبور نحو الضفة الشرقية. وهكذا، تحوّل خط بارليف من رمز للتفوق الإسرائيلي إلى أطلال مُحطمة في غضون ساعات، بعدما نجحت عبقرية التخطيط المصري في هدم أسطورة “التحصين الذي لا يُقهر”.
الغرب بين الحذر والدعم: صراع القوى العظمى
لم يكد غبار العبور يهدأ حتى تحركت القوى الكبرى لمتابعة المشهد عن قرب. في واشنطن، بدا واضحًا أن الصدمة الإسرائيلية دفعت الولايات المتحدة إلى التحرك بسرعة فائقة. فقد أطلقت إدارة نيكسون جسرًا جويًا عسكريًا ضخمًا عُرف باسم عملية Nickel Grass، هدفه تزويد إسرائيل على الفور بالطائرات والدبابات والذخائر لتعويض خسائرها المبكرة. في الوقت نفسه، انخرط وزير الخارجية هنري كيسنجر في دبلوماسية مكوكية بين العواصم المعنية، محاولًا فرض وقف لإطلاق النار يحافظ لإسرائيل على موقع تفاوضي أفضل، ويمنع توسع الحرب إلى صراع دولي مباشر.
أما في موسكو، فقد وجد الاتحاد السوفيتي نفسه أمام تحدي دعم حلفائه مصر وسوريا من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. أرسل الكرملين شحنات عسكرية وإمدادات استراتيجية إلى الجبهتين، لكنه حرص على إبقاء خطوط الاتصال مع واشنطن مفتوحة لتفادي انزلاق الصراع إلى حرب عالمية ثالثة.
وفي أوروبا، لم يكن الصدى أقل قوة. العواصم الأوروبية وجدت نفسها في قلب أزمة غير مسبوقة حين استخدمت الدول العربية سلاح النفط كوسيلة ضغط، فشهدت الأسواق ارتفاعًا حادًا في الأسعار وبدأت ملامح أزمة طاقة تهدد اقتصاداتها. هذه الورقة الاستراتيجية دفعت كثيرًا من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في مواقفها، والاقتراب أكثر من الطرح العربي في المحافل الدولية، بعدما كان التأييد لإسرائيل شبه مطلق قبل السادس من أكتوبر.
أبطال الإنجاز: من الفكرة إلى الدم
وراء هذا النصر وجوه وأسماء صنعت التاريخ:
الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، العقل العسكري المنظم الذي نسّق الخطة.
المهندس باقي زكي يوسف، الذي قدّم فكرة استخدام مضخات المياه لتدمير الساتر الرملي.
الجنود المجهولون الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وعبروا القناة في قوارب مطاطية تحت وابل النيران، ليزرعوا العلم المصري على الضفة الشرقية.
العبور وتغيير المعادلة الإقليمية
لم يكن السادس من أكتوبر انتصارًا عسكريًا فحسب، بل محطة استراتيجية غيّرت وجه الشرق الأوسط بعد ست سنوات من صدمة 1967، التي كبّدت العرب خسارة عسكرية ومعنوية قاسية، ورسّخت صورة تفوق إسرائيلي مطلق. فجاء العبور ليقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب.
سياسيًا، أسس العبور لمرحلة جديدة من التوازن في المنطقة. فقد أثبتت مصر أن الجيش الإسرائيلي ليس قوة لا تُقهر، وأجبرت تل أبيب على القبول بمفهوم “التسوية” بعدما كانت ترفضه بشكل مطلق. هذا التحول انعكس لاحقًا في مفاوضات الكيلو 101، ثم في اتفاقيات فك الاشتباك، وصولًا إلى اتفاقية كامب ديفيد.
استراتيجيًا، رسّخ العبور مفهوم “إدارة الحرب لتحقيق أهداف سياسية”، حيث لم يكن الهدف استعادة كل الأراضي بالقوة، بل فرض واقع جديد على المجتمع الدولي يضع العرب طرفًا لا يمكن تجاهله. وهذا بالفعل ما تحقق، إذ عاد الملف العربي إلى جدول أعمال القوى الكبرى، وتحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة تفاوض سياسي ودبلوماسي مكثف.
أما على الصعيد العربي، فقد أعاد النصر الثقة إلى الشارع بعد نكسة 1967، ورسّخ وحدة الجبهات العربية ولو بصورة مؤقتة، مما جعل إسرائيل تدرك أن استمرار الاحتلال سيعني صدامات متكررة، وأن الحل لا بد أن يكون سياسيًا.
من هنا، يمكن القول إن العبور لم يكن مجرد لحظة تاريخية مجيدة، بل كان نقطة تحول استراتيجية أنهت مرحلة الانكسار العربي وفتحت الباب لمرحلة جديدة عنوانها التوازن، المساومة، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.







