على الرغم من استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتزايد الدمار والمعاناة الإنسانية، تصرّ حركة “حماس” على التمسك بمواقفها وشروطها التفاوضية، رغم تعقيد المشهد السياسي وتردّي الأوضاع الميدانية. الرد الأخير للحركة، عبر تصريحات قياداتها البارزة، يكشف عن منطق لا يضع المدنيين في صلب الحسابات، بل يكرّس نمطًا من الخطاب السياسي الذي يبدو منفصلًا عن الكارثة اليومية التي يعيشها سكان القطاع.
تجاهل مطالب الوسطاء
تصريحات حسام بدران، عضو المكتب السياسي في الخارج، تعكس حالة من الإنكار للواقع الميداني، حين يُقلل من أهمية التهديدات الإسرائيلية باغتيال قادة الحركة، ويعتبرها “لا تؤثر على قراراتنا”. هذه العبارات، على بساطتها الظاهرة، تفتقر إلى المسؤولية السياسية، خاصة عندما تأتي في وقت يعاني فيه أكثر من مليوني فلسطيني من الحصار، الجوع، انعدام الأمن، وانهيار النظام الصحي، بينما تعيش القيادة في الخارج في منأى عن تبعات هذه القرارات.
أما الإصرار على رفض أي حديث حول نزع سلاح الفصائل، فيبدو أنه لم يعد موقفًا تفاوضيًا بقدر ما بات عائقًا مستمرًا أمام أي حلول ممكنة لوقف القتال. فبدران يشير صراحة إلى أن “سلاح المقاومة ملك للفصائل”، وهو تصريح يُظهر مرة أخرى أن الحركة تتعاطى مع المفاوضات من منظور الهيبة التنظيمية وليس من بوابة المعاناة الوطنية. تجاهل مطالب الوسطاء، ورفض التعاطي مع المقترحات الدولية، بل وتأكيد غياب وفود تفاوضية في المرحلة الحالية، لا يعكس روحًا مرنة أو نضجًا سياسيًا، بل إصرارًا على طريق مكلف لم يقدم حتى الآن سوى مزيد من الدمار للقطاع.
تحقيق مكاسب سياسية
وفي المقابل، تُتهم حماس بأنها عرقلت جهود الهدنة السابقة، رغم تأكيدات الوسطاء بوجود تفاهمات قابلة للتنفيذ. هذه العرقلة تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الحركة بمبدأ الحفاظ على أرواح المدنيين، مقابل حرصها على تحقيق مكاسب سياسية أو الحفاظ على امتيازات داخلية. وهي بذلك تكرّس الانطباع بأنها باتت تراهن على استدامة الحرب كأداة لتحسين موقعها التفاوضي، حتى لو كان الثمن هو دمار غزة بأكملها.
إن الردود الأخيرة لحماس، بدلًا من أن تعكس رغبة حقيقية في التهدئة وحماية ما تبقى من القطاع، جاءت لتؤكد أن الأولوية ليست وقف الحرب، بل استمرار المواجهة حتى تحقيق شروط محددة، تتجاوز أحيانًا حدود الواقعية السياسية. وبهذا المنطق، فإن الحركة تسهم في إطالة أمد الحرب، سواء بشكل مباشر عبر خطابها السياسي، أو بشكل غير مباشر عبر فشلها في تقديم تنازلات ضرورية لوقف النزيف الإنساني.
فشل الخيارات العسكرية
ما تُظهره حماس اليوم هو عجز عن الخروج من منطق “الردع مقابل الردع”، نحو منطق الدولة والمسؤولية الوطنية. فلا وعود المقاومة ولا تهديدات الاحتلال، يمكن أن تبرر استمرار مأساة إنسانية بهذا الحجم. وحين ترفض الحركة الاعتراف بفشل الخيارات العسكرية، فإنها تتحمل قسطًا كبيرًا من مسؤولية استمرار معاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن، بينما تُدار قرارات الحرب من فنادق العواصم البعيدة.







