أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلط أوراق المواجهة مع إيران، عبر رسائل سياسية وأمنية متزامنة، تحمل في ظاهرها لغة الضغط، وفي باطنها محاولة دفع طهران إلى طاولة تفاوض بشروط أمريكية صارمة، وسط شكوك متزايدة حول جدية المسار الدبلوماسي من الجانبين.
مهلة سرية ورسالة مفتوحة
حين قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض إن إيران «تعرف وحدها» موعداً نهائياً للتوصل إلى اتفاق، كان يرسل أكثر من إشارة في آن واحد.
فالحديث عن مهلة سرية لا يُراد منه فقط إبقاء عنصر المفاجأة، بل يهدف أيضاً إلى ممارسة ضغط نفسي وسياسي مباشر على القيادة الإيرانية، من دون تحمل كلفة الإعلان عن إنذار رسمي قد يفرض على واشنطن لاحقاً التزامات تصعيدية لا ترغب بها في هذا التوقيت.
الرسالة هنا ليست موجهة لطهران وحدها، بل أيضاً للحلفاء في المنطقة وللداخل الأمريكي، ومفادها أن الإدارة لا تزال تمسك بخيوط اللعبة، وأن أي مسار تفاوضي يجري تحت سقف زمني تتحكم به واشنطن.
التموضع العسكري… ضغط تفاوضي أم استعداد للمواجهة؟
في موازاة اللغة السياسية، لم يُخف ترامب البعد العسكري في حساباته، حين قال إن القوات الأمريكية «من الأفضل أن تتمركز بالقرب من إيران»، رداً على سؤال حول خطط البنتاغون لتقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط.
هذا التصريح يكشف بوضوح أن الإدارة الأمريكية لا تفكر حالياً في الانسحاب من نقاط التوتر الإقليمي، بقدر ما تعمل على إعادة تموضع يضمن بقاء ورقة القوة العسكرية جاهزة، سواء لدعم أي تفاوض، أو لردع أي تصعيد محتمل.
ويأتي إعلان إرسال «أسطول ضخم» تقوده حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في السياق نفسه، باعتباره استعراض قوة محسوباً، ورسالة ردع مباشرة لإيران، في مرحلة تشهد أصلاً توتراً أمنياً واضطرابات إقليمية منذ أواخر ديسمبر وأوائل يناير.
«الوقت ينفد»… لغة إنذار محسوبة
تحذير ترامب من أن «الوقت ينفد» أمام طهران يعكس تحوّلاً واضحاً نحو خطاب الإنذار المرحلي، لا الإنذار النهائي.
فالولايات المتحدة لا تعلن بعد عن فشل الدبلوماسية، لكنها ترفع تدريجياً منسوب الضغط الإعلامي والسياسي، في محاولة لخلق مناخ داخلي ودولي يبرر لاحقاً أي خطوة أكثر تشدداً.
وتدرك واشنطن أن أي تصعيد عسكري واسع ضد إيران ستكون كلفته الإقليمية عالية، سواء على مستوى أمن الملاحة في الخليج، أو على مستوى استقرار العراق وسوريا ولبنان واليمن. لذلك، يبدو أن الخيار المفضل حالياً هو إدارة التصعيد لا تفجيره.
طهران ترد: دبلوماسية بلا تنازلات
في المقابل، سارع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إلى تبني خطاب مزدوج يجمع بين التهدئة المعلنة والتصلب السياسي.
فقد أكد أن بلاده لا تسعى إلى الحرب، وأنها لطالما دعت إلى الحوار والتعاون، لكنه في الوقت نفسه وجّه انتقادات مباشرة إلى الدول الغربية، متهماً إياها بعدم الالتزام الحقيقي بالدبلوماسية والقانون الدولي.
واستخدم بيزشكيان تعبير «الدبلوماسية القائمة على الكرامة» ليؤكد أن أي تفاوض مع الولايات المتحدة يجب ألا يُبنى على التهديد أو الإكراه، محذراً من أن أي عدوان على إيران «سيُقمع فوراً وبحزم».
هذا الخطاب يعكس محاولة واضحة لطمأنة الداخل الإيراني أولاً، بأن القيادة لا تتنازل تحت الضغط، وفي الوقت نفسه إبقاء الباب موارباً أمام أي مسار تفاوضي محتمل.
عراقجي في إسطنبول: تفاوض نعم… ولكن بلا تهديد
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعاد تأكيد هذا الخط العام، حين قال من إسطنبول إن بلاده منفتحة على التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها ترفض أن يتم ذلك تحت التهديد.
تصريح عراقجي ينسجم مع استراتيجية إيرانية تقليدية تقوم على الفصل بين القبول بالمبدأ الدبلوماسي ورفض شروط القوة.
فإيران تحاول الظهور بمظهر الطرف العقلاني الراغب في الحلول السياسية، مع تحميل واشنطن مسؤولية أي تعثر محتمل.
الشروط الأمريكية: اتفاق يتجاوز الملف النووي
في جوهر الخلاف، لا تقتصر مطالب واشنطن على إعادة إحياء صيغة نووية تقليدية.
فالولايات المتحدة تشترط:
حظر تخصيب اليورانيوم بالكامل،
إزالة مخزون اليورانيوم المخصب الموجود بالفعل،
فرض سقف على الصواريخ بعيدة المدى،
تقليص الدعم الإيراني للوكلاء الإقليميين.
هذه الشروط تمثل عملياً محاولة لإعادة صياغة الدور الإقليمي لإيران، لا مجرد ضبط برنامجها النووي.
ومن هنا، فإن رفض طهران لهذه المطالب يبدو متوقعاً، لأن قبولها يعني المساس بأهم أدوات الردع والنفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية.
لماذا تبدو فرص الاتفاق محدودة في المدى القريب؟
رغم تبادل الإشارات الإيجابية الشكلية حول الانفتاح على التفاوض، إلا أن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة.
فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً شاملاً يعالج ثلاثة ملفات في آن واحد: النووي، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي.
في حين ترى إيران أن أي اتفاق يجب أن يقتصر على الملف النووي، وأن باقي القضايا تدخل في صميم أمنها القومي واستقلال قرارها السياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن التصعيد العسكري المتدرج، وإرسال حاملات الطائرات، والحديث عن مهلة سرية، كلها مؤشرات لا تساعد على بناء مناخ ثقة متبادل، بقدر ما تعزز منطق الردع المتبادل وانتظار الخطوة التالية من الطرف الآخر.
بين حافة المواجهة وإدارة التوتر
بين حافة المواجهة وإدارة التوتر، لا تبدو واشنطن ولا طهران في هذه المرحلة مستعدتين للذهاب إلى حرب مفتوحة، رغم تصاعد الخطاب السياسي وتكثيف الاستعراض العسكري في المنطقة. فحسابات الكلفة والنتائج لا تزال حاضرة بقوة لدى الطرفين، سواء في ما يتعلق بتداعيات أي صدام مباشر على أمن الخليج وحركة الطاقة العالمية، أو على استقرار ساحات إقليمية شديدة الهشاشة مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن.
في المقابل، لا تظهر في الأفق مؤشرات جدية على قرب تحقيق اختراق سياسي كبير، إذ إن خطوط التباين الجوهرية ما تزال قائمة، بل وتتعمق مع مرور الوقت. فالإدارة الأمريكية تواصل رفع سقف مطالبها، وتصر على ربط أي اتفاق محتمل بملفات تتجاوز البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وهو ما تعتبره طهران محاولة لإعادة صياغة موقعها الاستراتيجي في المنطقة تحت عنوان الدبلوماسية.
المشهد الراهن يوحي بأن الطرفين يخوضان اختباراً متبادلاً لحدود الضغط الممكن. واشنطن تراهن على مزيج من الردع العسكري والإنذارات السياسية والمهل غير المعلنة، في محاولة لدفع إيران إلى إعادة النظر في ثوابتها التفاوضية، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة. وفي المقابل، تراهن طهران على خطاب يقوم على الكرامة والسيادة ورفض التفاوض تحت التهديد، مع الحرص على إبقاء باب الدبلوماسية موارباً، تفادياً لعزلتها الدولية أو تحميلها مسؤولية انهيار المسار السياسي.
وسط هذا التوازن الهش، يعود الشرق الأوسط مرة أخرى ليكون ساحة رسائل متبادلة أكثر منه ساحة حلول فعلية. فكل تحرك عسكري محسوب، وكل تصريح سياسي مدروس، يتحول إلى أداة ضغط ورسالة ردع في آن واحد، بينما تتحرك الأزمة على خط دقيق يفصل بين تصعيد مضبوط تحكمه الحسابات، وانفجار غير مقصود قد تشعل شرارته حادثة محدودة أو خطأ في التقدير، في منطقة اعتادت أن تتحول فيها الأزمات الصغيرة سريعاً إلى أزمات كبرى.







