واجهت الدول الأفريقية موجة استعمارية، خلال القرون الماضية، تسببت في ضياع ثروات العديد من شعوب القارة، وهو ما دفع بعض الدول، للعمل على إيجاد حلول جذرية، تمنع تكرار التجربة المأساوية، التي تسببت في أزمات على المستوى السياسي والاقتصادي.
وهناك تحركات إفريقية جماعية، للمطالبة بالعدالة التاريخية، حيث شدد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، على أن القارة الإفريقية دخلت مرحلة جديدة من الوعي والمسؤولية تجاه تصفية رواسب الحقبة الاستعمارية واسترجاع حقوق شعوبها.
جاء ذلك خلال افتتاح المؤتمر الدولي حول «جرائم الاستعمار في إفريقيا» بالجزائر العاصمة، حيث أكد «عطاف» أن مواجهة إرث الاستعمار لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة محورية لبناء مستقبل قائم على الكرامة والإنصاف، وسط دعم متنامٍ داخل القارة لمبادرات جبر الضرر واستعادة الممتلكات المنهوبة.
تحركات جزائرية جديدة
وتزامنت هذه الرسائل مع تحركات جزائرية جديدة لإعادة طرح مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي أمام البرلمان، في ظل تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الجزائر وباريس، وعودة ملف الذاكرة ليكون محورًا للصراع السياسي بين البلدين.
وأكد أن إطلاق مشروع إحقاق العدالة التاريخية يعكس إصرار القارة على مواصلة نضالها طالما أن جرائم الاستعمار لم تحظ باعتراف صريح ومسؤول، مشددًا على أن الاستعمار لم يكن مشروعا حضاريا كما روج له البعض، بل كان سطوا ونهبا وافتراسا أوقف مسار بناء الدول الوطنية ومنع الشعوب من ممارسة سيادتها على مصيرها.
التجربة الجزائرية وبشاعة الممارسة الاستعمارية
وأشار إلى أن الذاكرة الجماعية الإفريقية تدرك أن الاستعمار كان سببا في إقصاء القارة من التحولات السياسية والاقتصادية والعلمية التي شهدها العالم”. وتطرق للتجربة الجزائرية، مؤكدا أنها نموذج فريد في بشاعة الممارسة الاستعمارية، إذ كان الاستعمار الفرنسي استيطانيا كاملا لا يستهدف استغلال الأرض فحسب، بل محو الوجود الوطني للجزائريين.
وأكد أن الجزائر، انطلاقا من هذا الإرث المرير، تتماهى كليا مع أهداف مبادرة الاتحاد الإفريقي لإحقاق العدالة التاريخية. ودعا الوزير إلى ضرورة «التصفية الكاملة للاستعمار»، مشيرا إلى «القضية الصحراوية باعتبارها آخر مستعمرة في إفريقيا»، مؤكدًا دعم القارة الإفريقية للشعب الصحراوي في نضاله من أجل تقرير المصير وفق الشرعية الدولية.
وجدد موقف إفريقيا الثابت تجاه القضية الفلسطينية، قائلا إن حرية إفريقيا تظل منقوصة دون حرية فلسطين، استلهاما لمقولة الزعيم الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا.
تجريم الاستعمار
ويجمع المؤتمر وزراء ومسؤولين وخبراء قانونيين ومؤرخين وأكاديميين من إفريقيا ومنطقة الكاريبي ومناطق مختلفة من العالم، بهدف توحيد الموقف الإفريقي بشأن العدالة التاريخية، وجبر الضرر، واستعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة، وحماية الذاكرة الجماعية للشعوب الإفريقية.
وتعتزم الجزائر إعادة طرح ملف الاستعمار الفرنسي أمام البرلمان، تمهيداً لإصدار قانون بتجريمه، في ظل تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الجزائر وباريس، وبعد رفض فرنسا الاعتراف الصريح بجرائم الاستعمار ضد الجزائريين. حسب الشرق.
واعتبر رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري (البرلمان)، إبراهيم بو غالي، أن الوقت حان لطرح القانون على البرلمان، مبرراً ذلك بما وصفه بالضربات المتكررة من الجانب الفرنسي لتشويه صورة الجزائر.
وقال بو غالي، في تصريحات لإحدى القنوات المحلية، إن الجزائر لن تبقى في موقع الدفاع فقط، وأن مشروع القانون ينبغي طرحه باسم جميع الجزائريين، باعتباره مطلباً شعبياً وليس مجرد مبادرة حزبية.
توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا
وتشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية العديد من النقاط الخلافية، أبرزها ملف الذاكرة الذي يعد أكثر القضايا حساسية بين البلدين، إذ تطالب الجزائر باعتراف صريح واعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار (1830 – 1962)، خاصة التفجيرات النووية في منطقتي رقان، وإن إكر بصحراء الجزائر، التي خلّفت إشعاعات لا تزال تؤثر على السكان والبيئة، وكذلك جرائم التعذيب والقتل الجماعي والمجازر الكبرى، ومنها مجازر 8 مايو 1945، بالإضافة إلى نهب الأرشيف والممتلكات الثقافية، إذ تحتفظ فرنسا بعدد كبير من الوثائق والمخطوطات والرفات البشرية لمقاومين جزائريين في متحف الإنسان بالعاصمة باريس.
وتعدُ فرنسا من أكبر الإمبراطوريات الاستعمارية في التاريخ، إذ استعمرت 14 دولة إفريقية، من بينها الجزائر، وتونس، والمغرب، والسنغال، ومالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وجمهورية الكونغو.
وزاد التوتر في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، منذ إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في نهاية يونيو الماضي، دعم موقف المغرب بشأن إقليم الصحراء. وردت الجزائر على الموقف الفرنسي بسحب سفيرها، وخفض التمثيل الدبلوماسي في فرنسا، ووصفت الدعم الفرنسي بأنه “إعلان تأييد قطعي وصريح للواقع الاستعماري المفروض في إقليم الصحراء الغربية”.
هل حان وقت إصدار القانون؟
ووفقا للشرق، واعتبر النائب البرلماني زكرياء بلخير، أن تصريح رئيس المجلس الشعبي الوطني، بشأن فتح المجال أمام مناقشة وإصدار القانون، يمثل رسالة واضحة بشأن موقف الجزائر من العلاقات مع فرنسا، والذي بات يتسم بصرامة وشدة أكبر في التعامل.
وتوقع «بلخير» أن يكون مشروع القانون من بين توصيات الملتقى الذي يعقده المجلس الشعبي الوطني، في 13 فبراير الجاري، بمدينة رقان التابعة لولاية أدرار جنوبي البلاد، وهي المدينة الي شهدت واحدة من أقوى التجارب النووية الفرنسية.
وقال إن الظروف السياسية والاقتصادية الحالية في الجزائر، باتت مواتية لإقرار القانون، خاصة في ظل “تعافي البلاد على مختلف الأصعدة، وفي المقابل تواجه فرنسا عزلة دولية متزايدة، لا سيما بعد طردها من عدة دول إفريقية مؤخراً”، على حد تعبيره.







