منذ انتهاء جولات المواجهة الأخيرة، تبدو رئاسة الحكومة الإسرائيلية أمام مفترقٍ داخلي حاد: كيف يُقاسم الانتصار أو الهزيمة على ساحة الحرب مع معركة سياسية وقضائية قد تقرر مصير زعيم قضى عقدين في دائرة السلطة؟.. التحول المفاجئ في التركيز من الحرب إلى محاكمة بنيامين نتنياهو ليس صدفة بقدر ما هو تعبير عن طموح سياسي للبقاء والاستمرارية.
حملة إلغاء محاكمة نتنياهو
التقرير الصحفي الذي كشفته الصحف العبرية عن إطلاق حملة منظمة لإلغاء محاكمة نتنياهو يشير إلى أن ما يجري يتخطى مجرد تضامن حزبي إلى خطة مدروسة تستغل استقرار ما بعد الحرب لتدوير العجلة السياسية باتجاه القضايا الداخلية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل خطاب القوة في الشارع عن إجراءات استثمار النفوذ داخل المؤسسات: زيارات داعمين إلى قاعة المحكمة، بيانات وزارية، ومشروعات قوانين تُقدَّم في الكنيست — كل ذلك جزء من مسعى متكامل لتعطيل أو إضعاف المسار القضائي.
أما الأسئلة التي تفرض نفسها فهي قاسية: هل تحوّل الدولة من ساحة القرار السياسي إلى ملعبٍ لتصفية حسابات قادتها؟ وهل يمكن لمؤسسات القضاء أن تصمد أمام ضغطٍ سياسي متزايد في لحظة تُعتبر فيها “خطورة الأمن القومي” ذريعةً لتقييد دورها؟
أدوات المعركة: الإعلام والتشريع وحشد القاعدة
أحد أعمدة الحملة هو الاستفادة من آليات الإعلام لتحويل رواية المحاكمة إلى “مطاردة سياسية”، وتسخير منصات إعلامية مقربة وتكثيف الرسائل التي تضع القضاة في موقع الخصم الوطني بدأ يخلق أرضية نفسية يمكن أن تُبرر خطوات تشريعية لاحقة، وبالتوازي، تم طرح مقترحات قوانين تهدف إلى تقييد صلاحيات القضاء أو تنظيم مواعيد الجلسات خلال “حالات الطوارئ” — مقترحات تُعدُّ بحسب مراقبين تمهيداً لتقنين تدخل سياسي في مسارات قضائية حساسة.
وحشد نواب الليكود وكبار مناصري نتنياهو إلى أبواب قاعات المحاكم والتقاط الصور والنشرات المصاحبة ليس مشهداً عاطفياً فحسب؛ يعد ذلك إشارة عملية إلى أن السلطة الحزبية تستعد لاستثمار كل مورد للضغط، والنتيجة المتوقعة على المدى القصير: تحويل المحاكمة من قضية قانونية إلى ساحة تعبئة انتخابية، تُستخدم فيها الرموز الوطنية والأمنية لتغليف رسالة “حماية الزعيم” ضد ما تُصوّره الحملة كـ”قضاء سياسي”.
الحليف الخارجي: تدخل ترامب وقراءات التحالفات
ورغم ذلك، تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العلني بطلب “عفو” أو تسهيل مسار إلغاء المحاكمة مثل شرارةٍ جديدة أثارت جدلاً واسعاً داخل وخارج إسرائيل، فحديث ترامب أمام الكنيست وأيضاً منشوراته السابقة حول ضرورة “إنقاذ” نتنياهو أعطاها بعداً دولياً واضحاً.
وهذا التدخّل الخارجي لا يُقرأ فقط كدعمٍ لشخص نتنياهو، بل كجزءٍ من فهم أوسع للعلاقات الشخصية- الانتخابية، حيث تُترجم الولاءات الخارجية إلى أوراق قوة داخلية، والعكس صحيح، وهنا تتقاطع مصالح قيادات سياسية من جهات متعددة تسعى لاستثمار النفوذ الخارجي لتعزيز موقفها المحلي.
وعلى مستوى الخطاب، استُغل موقف ترامب لتأطير المحاكمة كسلوك استهدف “قائد حرب” يقود بلاده في مواجهة تهديدات وجودية، وهو تأطير يلقى صدى لدى قطاعات واسعة من الجمهور اليميني والمتدين، لكن التأثير العملي لطلب العفو ليس تلقائياً: صلاحية العفو رئاسية محدودة، ومخاطبات من العواصم قد تواجه ردود فعل سياسية وقضائية تُترجم إلى مزيد من الاستقطاب الداخلي.
هل هنالك حرب معلوماتية وادعاءات متبادلة؟
وسط هذا التشابك السياسي، تنطلق روايات منافسة تحاول تشويه الطرف الآخر: اتهامات بالفساد مقابل اتهامات بالمس بالأمن الوطني، وتكثيف الاتهامات الإعلامية التي تتهم الخصوم بـ”قلب أولويات الدولة”، ومن ضمن هذه الروايات، تظهر مزاعم متطرفة أو تبسيطية تُحمّل أطرافاً خارجية أو حركات إقليمية مسؤولية قضايا معقدة، بهدف تبسيط السرد لصالح رسائل انتخابية أو أيديولوجية، فعلى سبيل المثال، هناك من يحاول الربط بين مواقف ترامب واستغلاله لتفريغ المساءلة القانونية، بينما يذهب آخرون إلى تصوير أي مسعى قضائي على أنه “هجوم على السيادة” — وكلُّ هذه التعبيرات تقود إلى مزيد من الاستقطاب.
ويؤكد مراقبون أن حرب المعلومات هذه قد تؤذي ثقة الجمهور في المؤسسات إذا استمرت من دون ضوابط أو ردود شفافة من القضاء والحكومة.
الخلفية القضائية: ملفات 1000 و2000 و4000 وتأثيرها السياسي
لا يمكن فهم الحملة دون العودة إلى ملفات الاتهام الثلاثة: قضايا الهدايا (1000)، المفاوضات الإعلامية (2000)، وملف بيزك/واللا (4000). كل ملف يحمل رؤوس اتهام قانونية من رشوة إلى خيانة الأمانة — اتهامات لو ثبتت قد تُنهي مسيرة سياسي قرب السلطة لعقود.
ومن زاوية القانون، فالمحاكمة تمثل اختباراً لمتانة المؤسسات الإسرائيلية: هل تُمضي العدالة قدماً دون اعتبار للتداعيات السياسية أم أن تأثير القاعدة الشعبية والضغط السياسي سيعيد تشكيل معايير العمل القضائي؟
وفي السنوات الأخيرة، عكست هذه القضايا هوة ثقة عميقة بين شرائح المجتمع: أنصار يتهمون المحققين والسياسيين المنافسين بالتسييس، ومعارضون يرون أن المساءلة أساس لأي ديمقراطية صحية، أمام هذا المشهد، فاللجوء إلى أدوات تشريعية لتقليص صلاحيات القضاء لا يُعد حلاً موضوعياً للمشكلات البنيوية؛ بل إنه مخاطرة بإضعاف آليات الضبط والمساءلة في الدولة.
السيناريوهات المحتملة: إلغاء المحاكمة أم تطويقها؟
وفقا لمحللين فهناك بعض السيناريوهات، السيناريو الأول هو أن تُنجح الحملة في تعطيل أو تأجيل المسار القضائي عبر ضغوط تشريعية وإدارية، وهو ما قد يحقق لنتنياهو هدنة سياسية مؤقتة لكنه سيترك آثاراً عميقة على الثقة بالمؤسسات الدستورية.
أما السيناريو الثاني هو استمرارية القضاء في مساره واستعادة جزء من هيبته عبر التمسك بالقواعد القانونية، لكن هذا لن يمنع بالطبع تبعات الاستقطاب الحزبي وسيناريو مواجهة انتخابية محتدمة، وثالث السيناريوهات، وهو الأسوأ للنظام الديمقراطي، أن يتحول الصراع إلى لعبة تبادل مصالح دولية — حيث تُستخدم الضغوط الخارجية (مثل ما فعله ترامب) كأداة للتدخل في شؤون داخلية حساسة، ما يفتح باباً للضغوط المتبادلة والصفقات المشبوهة، وفي كل الحالات، يظل المخرج السلمي والدستوري أمراً مرهوناً بكيفية تصرف الأطراف الفاعلة: هل سيختارون قواعد اللعبة الديمقراطية أم سيلجأون إلى تكتيكات تقويض المؤسسات لصالح مكاسبٍ آنية؟
إدارة الحرب بعقل جنرال خاسر
وهنا، يرى عوفر شيلح، محلل سياسي وعضو كنيست سابق، أن نتنياهو يدير معركته القضائية بعقلية الجنرال الذي خرج من حرب خاسرة ويبحث عن انتصارٍ بديل، موضحًا أن انتقاله من خطاب “الأمن والتهديدات الوجودية” إلى “مظلومية القضاء” ليس وليد اللحظة، بل خطة معدّة منذ بداية الحرب الأخيرة على غزة، فالرجل يدرك أن فشل الحكومة في تحقيق هدفها بإسقاط حماس قد يفتح الباب لمطالبات بالاستقالة، ولذلك يسعى لتغيير محور النقاش العام من “الإخفاق العسكري” إلى “المؤامرة السياسية”.
ويضيف “شيلح” أن حملة نتنياهو ضد الجهاز القضائي تستند إلى استراتيجية مزدوجة: من جهة خلق بيئة عدائية تجاه القضاة، ومن جهة تعبئة الجمهور اليميني حول فكرة “الزعيم المستهدف” من قبل النخبة القضائية والإعلامية، ويعتبر أن الخطاب العاطفي حول “استهداف الزعيم” هو الأداة الأقوى لتوحيد صفوف الليكود وإعادة ترميم صورته بعد الحرب.
كما يشير إلى أن الدعم الأمريكي الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب ليس تدخلاً عفوياً كما يظن البعض، بل جزء من تنسيق أوسع بين اليمينين الأمريكي والإسرائيلي اللذين يتقاسمان رؤية مشتركة تعتبر القضاء عقبة أمام “إرادة الشعب”، وفي هذا السياق، يرى شيلح أن طلب ترامب من الرئيس الإسرائيلي منح نتنياهو العفو ليس سوى رسالة رمزية تُراد بها شرعنة فكرة أن المحاكمة سياسية وليست قانونية.
ويحذر الخبير الإسرائيلي من أن استمرار هذه الحملة سيقود إلى أزمة مؤسساتية داخل إسرائيل، لأن نقل المعركة من المحكمة إلى الشارع يعني عمليًا تقويض مبدأ الفصل بين السلطات، وهو ما يهدد مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية التي تأسست على فكرة استقلال القضاء عن ضغط الأحزاب.
إعادة هندسة الرأي العام
أما ميرا تسيمح، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة تل أبيب، فترى أن ما يفعله نتنياهو اليوم هو “إعادة هندسة للرأي العام الإسرائيلي”، فبعد أن فشل في تقديم إنجاز عسكري يقنع الجمهور، اختار معركة القضاء لتكون ساحة جديدة لصناعة المجد السياسي، وتوضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على توظيف رواية “الاضطهاد” لتعبئة مشاعر القاعدة اليمينية، وإعادة تعريف العدالة من منظور سياسي حزبي.
وتضيف “تسيمح” أن حملة “الولاء لنتنياهو” داخل الليكود باتت أشبه بسباق تنافسي بين الوزراء، فكل وزير يحاول الظهور كأشد المدافعين عن رئيس الوزراء في محاولة لحجز موقع قوي في الانتخابات التمهيدية المقبلة، وهذا التنافس، بحسب قولها، يُحوّل الحزب الحاكم إلى أداة حماية شخصية بدلاً من أن يكون مؤسسة حكم وطنية، وهو ما يشكل خللاً بنيوياً في النظام السياسي الإسرائيلي.
وترى أن الأخطر في المشهد ليس فقط ما يجري داخل أروقة المحكمة، بل في القوانين التي يتم تمريرها في الكنيست لتقييد سلطات القضاء تحت ذريعة “الظروف الاستثنائية بعد الحرب”، فمشروع القانون الذي يسمح للحكومة بتحديد مواعيد الجلسات القضائية أثناء الطوارئ يُعد، من وجهة نظرها، خطوة متعمدة لتقليص صلاحيات الجهاز القضائي في ملفات معينة، خصوصًا تلك التي تطال شخصيات سياسية نافذة.
وتؤكد “تسيمح” أن المجتمع الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد بين “دولة اليمين” و”دولة القانون”، معتبرة أن هذه المعركة لا تتعلق فقط بمصير نتنياهو، بل بمستقبل الديمقراطية الإسرائيلية نفسها. فإما أن ينتصر مبدأ استقلال القضاء، أو يتحول النظام إلى شكل من أشكال “الحكم الشخصي المقنَّع” الذي يختبئ خلف شعارات الأمن والدين.
الفشل الاستراتيجي للحكومة
كما يرجع يهودا بن مئير، باحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أصل الأزمة إلى “الفشل الاستراتيجي للحكومة في إدارة ما بعد الحرب”، مؤكدًا أن نتنياهو يدرك أن الفراغ السياسي الذي تركته نهاية العمليات في غزة يمكن أن يبتلعه إذا لم يملأه بسرعة بسردية جديدة، لذلك جاء تركيزه على المعركة القضائية كوسيلة لتحويل الأنظار عن النقاش حول نتائج الحرب، فبالنسبة له، كل يوم يتحدث فيه الإعلام عن محاكمته هو يوم لا يُسأل فيه عن غزة.
ويشير “بن مئير” إلى أن الحملة التي يقودها نتنياهو ليست فقط لحماية نفسه من الإدانة، بل أيضاً لتأمين مستقبل اليمين المتشدد داخل الدولة، فالمعركة على القضاء تمثل، في جوهرها، معركة على هوية إسرائيل: هل تظل دولة قانون علمانية نسبياً، أم تتحول إلى دولة تخضع فيها المؤسسات لهيمنة التيار القومي والديني؟
ويرى أن تحركات الوزراء المقربين من نتنياهو — مثل وزير العدل ياريف ليفين ووزير الدفاع يسرائيل كاتس — تُظهر تناغمًا ممنهجًا هدفه تهيئة الإطار القانوني لإلغاء المحاكمة أو تعطيلها، عبر تشريعات تمنح السلطة التنفيذية قدرة على التحكم في جداول القضاء بذريعة “الطوارئ الأمنية”، ويعتبر أن هذا المسار يمثل انقلابًا ناعماً على أسس الحكم في إسرائيل.
ويختتم “بن مئير” تحليله بالتأكيد على أن ما يجري اليوم هو اختبار مصيري للمؤسسات الإسرائيلية، فإما أن تصمد أمام ضغط اليمين وتثبت أن القانون فوق الجميع، أو تتآكل تدريجياً لتصبح أداة بيد السلطة السياسية، وفي كلتا الحالتين، فإن إرث نتنياهو لن يُقاس بعدد الحروب التي خاضها، بل بقدرته — أو فشله — في الحفاظ على توازن الدولة بين القوة والأخلاق، بين البقاء والديمقراطية.







