في مشهد غير مألوف منذ بداية العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء شمال القطاع، حيث لا تزال العمليات البرية والجوية متواصلة. وجاءت الزيارة في توقيت حساس، يعكس إصرار الحكومة الإسرائيلية على مواصلة الحرب حتى تحقيق ما تسميه “الأهداف الكاملة”. من هناك، صرّح نتنياهو قائلاً: “حماس ستتلقى المزيد والمزيد من الضربات”، مضيفاً: “مصرون على إطلاق سراح الرهائن وتحقيق كل أهداف الحرب”.
تشكل زيارة نتنياهو تطورًا رمزيًا وعسكريًا في آنٍ معًا. فوجوده في منطقة عمليات نشطة يحمل رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل الإسرائيلي، لتعزيز صورته كقائد “لا يلين”، في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها، خصوصًا بعد الانتقادات المتزايدة لأدائه قبل وبعد عملية السابع من أكتوبر. أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى حركة حماس وإلى الأطراف الدولية، مفادها أن إسرائيل مستمرة في المعركة حتى نهايتها، مهما بلغت الكلفة.
من الناحية العسكرية، تشير الزيارة إلى أن الجيش الإسرائيلي يرى أنه بات يسيطر ميدانيًا – جزئيًا على الأقل – على مناطق من شمال غزة، رغم المقاومة المستمرة والخسائر البشرية والعسكرية التي يتكبدها. كما تعكس تصميمًا على توسيع العمليات لتشمل مناطق أخرى في الجنوب، وربما الدفع نحو سيناريو إعادة احتلال مؤقت أو طويل الأمد لمناطق واسعة من القطاع.
لكن ما الذي ينتظر غزة في ضوء هذا المشهد؟
أولاً، من الواضح أن غزة أمام تصعيد جديد في شراسة القصف، لا سيما بعد تهديدات نتنياهو العلنية بمزيد من الضربات. هذا يعني زيادة في حجم الدمار، وارتفاعًا مرجّحًا في أعداد الضحايا، واستمرارًا للحصار الخانق المفروض على السكان، مع ما يرافقه من شلل كامل في الخدمات الأساسية.
ثانيًا، التصريحات التي ربط فيها نتنياهو استمرار الحرب بإطلاق سراح الرهائن توحي بأن أي تهدئة أو وقف إطلاق نار سيكون مشروطًا بتنازلات من حماس، وهو ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام سيناريو حرب طويلة الأمد، يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمنها الأكبر. في المقابل، لا تبدو حماس في موقع المتراجع، إذ تواصل إطلاق الصواريخ والمناوشات البرية، ما يعني أن الأوضاع تتجه نحو مزيد من الاستنزاف.
ثالثًا، على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع تعثر جهود الوساطة التي تقودها مصر وقطر. وقد يكون لتصعيد نتنياهو أثر سلبي على فرص استئناف المفاوضات، لا سيما أن تصريحه حمل لهجة تحدٍ، لا تشير إلى وجود نية حقيقية لوقف العمليات في المدى القريب.
رابعًا، ثمة تساؤلات مشروعة حول مستقبل القطاع بعد الحرب. فبينما لا تزال تل أبيب ترفض صراحة إعلان نواياها بشأن “اليوم التالي”، فإن المؤشرات الميدانية تفيد بأن إسرائيل قد تكون بصدد فرض وقائع جديدة، تتضمن تفكيك البنية الأمنية لحماس، ومنع إعادة إعمار القطاع إلا بشروط إسرائيلية صارمة. وهذا السيناريو، إن تحقق، سيكون له تبعات كارثية على سكان غزة، الذين يعيشون أصلًا في ظروف مأساوية.
في المحصلة، فإن زيارة نتنياهو إلى غزة لم تكن زيارة ميدانية عادية، بل خطوة محسوبة سياسيًا وعسكريًا، تسعى لتأكيد السيطرة من جهة، وتبرير استمرار الحرب من جهة أخرى. لكن الرسالة الأوضح منها تبقى أن القطاع أمام مرحلة أكثر صعوبة، عنوانها: لا وقف قريب للقتال، ولا حل سياسي يلوح في الأفق، ما لم تتدخل القوى الكبرى بشكل أكثر فاعلية للجم آلة الحرب، وإنقاذ ما تبقى من غزة.






