يشكل التصعيد الإسرائيلي الأخير على مدينة غزة، في إطار العملية المسماة “عربات جدعون 2″، حلقة جديدة في سياسة الإبادة والتهجير القسري التي ينتهجها الاحتلال منذ عامين. فمنذ الثالث من سبتمبر/أيلول الجاري، صعّد الجيش الإسرائيلي وتيرة غاراته بشكل غير مسبوق، معلنًا تنفيذ مئات الضربات التي طالت أبراجًا سكنية ومبانٍ مرتفعة، وأدت إلى سقوط عشرات الشهداء، بينهم 40 خلال 24 ساعة فقط، في محاولة واضحة لدفع سكان المدينة إلى النزوح تحت وطأة الدم والمجازر.
صفقة تبادل الأسرى
وقد تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتدمير 50 برجًا سكنيًا خلال يومين، متوعدًا بالمزيد، ومؤكدًا المضي في خطة إفراغ المدينة من سكانها. غير أن هذا التصعيد لم يقتصر على الداخل، إذ شمل هجومًا جويًا على قيادة حركة حماس في الدوحة، وهو تطور يهدد بتجميد جهود التوصل إلى صفقة تبادل الأسرى، ويؤشر إلى سعي الاحتلال لتوسيع دائرة المواجهة خارج حدود القطاع.
رغم شدة القصف واتساع دائرة الدمار، ما زال معظم الغزيين يرفضون النزوح القسري. فاستراتيجية “النزوح الجماعي” التي تستخدمها إسرائيل كأداة عسكرية وسياسية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تحقق مبتغاها بالكامل. فالمناطق التي يروج الاحتلال أنها “إنسانية وآمنة” –مثل المواصي في خان يونس ورفح– تحولت إلى أهداف مباشرة للقصف، وأسفرت عن آلاف الشهداء. ومع غياب مقومات الحياة الأساسية في الجنوب، شهد القطاع ظاهرة “النزوح العكسي”، حيث عاد آلاف النازحين من الجنوب إلى الشمال وغزة رغم المخاطر، نتيجة انعدام الأمان وتدهور الأوضاع الإنسانية.
خرائط غير دقيقة
الأرقام تكشف حجم الكارثة: أكثر من 1.2 مليون إنسان ما زالوا في مدينة غزة وشمالها، يواجهون سياسة الأرض المحروقة، فيما يعيش نحو نصف مليون فلسطيني من دون مأوى ثابت. ويؤكد المسؤولون المحليون أن الاحتلال يحاول حشر 1.7 مليون إنسان في مساحة لا تتجاوز 12% من القطاع، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
إلى جانب ذلك، تواجه خطة “عربات جدعون 2” انتقادات حتى من داخل إسرائيل. فقد وصف عضو الكنيست عميت هليفي أسلوب الإجلاء الحالي بأنه “إشكالي”، إذ لا يمكن –حسب رأيه– إدارة عملية بهذا الحجم عبر رسائل نصية أو قصف الأبراج، في ظل بقاء مؤسسات حيوية ومجتمعات كاملة في الشمال. كما أقر مسؤولون أمنيون بأن التصورات التي بُنيت عليها الخطة غير واقعية وتعتمد على خرائط غير دقيقة، فيما تفتقر المناطق الجنوبية إلى الحد الأدنى من الخدمات الصحية والإغاثية.
هذا الفشل في تحقيق “نزوح شامل” يفسره المحللون الفلسطينيون بعدة عوامل؛ منها غياب الأمان في الجنوب حيث وُجهت أوسع عمليات الاستهداف، وانعدام القدرة الاستيعابية، إضافة إلى تمسك مجتمعي قوي بالبقاء في غزة باعتبارها مركز الهوية والرمز. كما أن تكاليف النزوح الباهظة –التي تصل إلى آلاف الشواكل– جعلت الرحيل خيارًا شبه مستحيل بالنسبة لآلاف العائلات الفقيرة.
مشروع تهجيري متكامل
وفي المشهد السياسي والعسكري الأوسع، يرى محللون أن الاحتلال يستند إلى دعم أميركي غير محدود، وإلى تحييد نسبي لدول الإقليم، ما يمنحه غطاءً لممارسة “وحشية مطلقة” دون خشية جدية من المحاسبة الدولية. لكن هذا لا يلغي أن المشهد الميداني معقد، وأن التهجير الشامل يصطدم بواقع ديمغرافي ومجتمعي صلب.
السيناريوهات المتوقعة تشير إلى ثلاثة مسارات رئيسية: تقدم بطيء داخل المدينة مع استمرار القصف وتوسيع مناطق الفراغ؛ تعثر ميداني يدفع إلى تفاوض تكتيكي مدفوع بضغوط داخلية إسرائيلية وكارثة إنسانية متفجرة؛ أو محاولة تطويق غزة عبر حصار وإخلاءات إضافية تُسوّق كـ”إنجاز حاسم”، دون قدرة فعلية على تحقيق سيطرة طويلة المدى.
يبدو أن خطة “عربات جدعون 2” ليست مجرد عملية عسكرية، بل مشروع تهجيري متكامل يهدف إلى إفراغ غزة من سكانها، مستندة إلى أدوات مركبة من القصف والتجويع والإرهاب النفسي. لكن صمود المجتمع الغزي، وتماسكه الاجتماعي، وتمسكه بأرضه رغم الموت والدمار، يشكل عامل الردع الأهم أمام تحقيق هذه المخططات، ويجعل من معركة غزة اختبارًا حاسمًا ليس فقط لمصير أهلها، بل أيضًا لحدود القوة الإسرائيلية أمام إرادة البقاء الفلسطينية.







