أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، تصريحات متشددة أكد فيها أن “لن تكون هناك دولة فلسطينية”، وذلك خلال مشاركته في مراسم التوقيع على مشروع استيطاني واسع النطاق في الضفة الغربية المحتلة. وجاءت تصريحاته من مستوطنة معاليه أدوميم، الواقعة شرق القدس، حيث شدد على أن “هذا المكان لنا” وأن حكومته ستعمل على مضاعفة عدد المستوطنين في المدينة، في إشارة إلى المضي قدماً في تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
المشروع الذي وقع نتنياهو اتفاق المضي فيه يتركز على المنطقة المعروفة باسم (E1)، وهي مساحة تمتد على نحو 12 كيلومتراً مربعاً بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم. وتعتبر هذه المنطقة من أكثر النقاط حساسية في ملف الاستيطان، إذ إن البناء فيها يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ما يجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة الأطراف أمراً شبه مستحيل.
دعم حكومي ومعارضة دولية
خطط البناء في منطقة (E1) ليست جديدة، لكنها وُوجهت دائماً بانتقادات دولية شديدة أدت إلى تجميدها مرات عدة في السابق. غير أن الشهر الماضي شهد دعماً إضافياً من وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي أيد إقامة نحو 3400 وحدة سكنية جديدة هناك، في خطوة تعكس قوة التيار اليميني داخل الحكومة الإسرائيلية واندفاعه لتكريس الوقائع على الأرض.
في المقابل، حذرت الأمم المتحدة، عبر أمينها العام أنطونيو غوتيريش، من أن تنفيذ هذه الخطط سيقضي تماماً على فرص حل الدولتين، وهو الحل الذي ظل المجتمع الدولي يطرحه باعتباره المخرج الأكثر واقعية للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. كما اعتبرت عدة دول غربية أن المستوطنات الإسرائيلية، سواء أقيمت بقرارات حكومية أو بشكل عشوائي، تمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.
الموقف الدولي وتحركات الاعتراف بفلسطين
التطورات الأخيرة في ملف الاستيطان تتزامن مع تحركات أوروبية متزايدة نحو الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. فقد أعلنت حكومات غربية، من بينها بريطانيا وفرنسا، نيتها اتخاذ هذه الخطوة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، وهو ما يشكل ضغطاً سياسياً إضافياً على إسرائيل.
الموقف البريطاني كان أكثر وضوحاً، إذ ربطت لندن قرارها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بموافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة، التي تشهد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرباً طاحنة. هذه التحركات الغربية تثير قلق تل أبيب التي ألمحت إلى إمكانية الرد عبر إجراءات أحادية، من بينها ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967.
واقع متأزم على الأرض
في ظل هذا التصعيد، يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، إلى جانب نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي. ويفرض الاحتلال قيوداً صارمة على حركة الفلسطينيين عبر شبكة معقدة من الحواجز العسكرية، تقيّد دخولهم إلى القدس الشرقية أو إلى داخل إسرائيل، وتجعل حياتهم اليومية مرهونة بتصاريح خاصة نادراً ما تُمنح.
هذه السياسات الميدانية، إلى جانب المشاريع الاستيطانية الجديدة، تعمّق الانقسام الجغرافي والديمغرافي على الأرض، وتضعف بشكل متزايد إمكانية التوصل إلى أي تسوية سياسية قائمة على مبدأ الدولتين. وبينما تسعى بعض القوى الدولية إلى الدفع باتجاه الاعتراف بفلسطين لتعزيز مسار الحل السياسي، تتحرك الحكومة الإسرائيلية في الاتجاه المعاكس، عبر خطوات تؤكد رفضها القاطع لهذا المسار.
ملامح مرحلة أكثر صعوبة
خطاب نتنياهو الأخير ليس مجرد تصريح سياسي، بل يعكس نهجاً استراتيجياً يرمي إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإغلاق الباب أمام أي مبادرة دولية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومع استمرار الدعم من التيارات اليمينية داخل حكومته، وغياب ضغط حقيقي قادر على كبح المشاريع الاستيطانية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التوتر والتصعيد، ما ينذر بمخاطر مضاعفة على فرص السلام والاستقرار في المنطقة.






