تعلق آمال آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة ببوابة واحدة فقط: معبر رفح. فبينما تنتظر ريماس أبو ليحيى، ذات الخمسة عشر عامًا، جراحة قد تعيد لها القدرة على المشي بعد إصابتها برصاص القوات الإسرائيلية أثناء بحثها عن الطعام، يقف أكثر من 20 ألف فلسطيني آخرين، بينهم آلاف الأطفال ومرضى السرطان، على قوائم انتظار طويلة للإجلاء الطبي.
ومع إعلان إسرائيل فتح المعبر بشكل محدود، تتجدد الآمال بإنقاذ الأرواح، لكن القيود المفروضة والأرقام المتواضعة لعمليات العبور تثير مخاوف من أن يبقى كثيرون عالقين بين الألم والانتظار، في ظل نظام صحي منهك يقترب من حافة الانهيار.
مأساة ريماس ضحية الاحتلال
ريماس أبو لحية، فتاة غزاوية أصيب قبل خمسة أشهر، عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على فلسطينيين جائعين كانوا يتجمهرون حول شاحنة مساعدات للحصول على الطعام في غزة ، وأصابت رصاصة ركبة الفتاة اليسرى البالغة من العمر 15 عاماً.
الآن، أفضل فرصة لها للمشي مجدداً هي إجراء عملية جراحية في الخارج. وهي مدرجة على قائمة تضم أكثر من 20 ألف فلسطيني، بينهم 4500 طفل، ينتظرون – بعضهم لأكثر من عام – إجلاءهم لتلقي العلاج من جروح الحرب أو الأمراض المزمنة ، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. حسب اسوشيتد برس.
تتوقف آمالهم على إعادة فتح معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، وهو نقطة محورية في إطار وقف إطلاق النار الذي دام قرابة أربعة أشهر بين إسرائيل وحماس . وقد أعلنت إسرائيل أن المعبر سيُفتح في كلا الاتجاهين الأحد.
قالت “أبو لحية” إن حياتها تعتمد على فتح المعبر. وهي تبكي وتشير إلى الكرسي المتحرك الذي تعتمد عليه في التنقل: “أتمنى لو لم أكن مضطرة للجلوس على هذا الكرسي. أحتاج إلى مساعدة للوقوف، وارتداء الملابس، والذهاب إلى الحمام”. حسب اسوشيتد برس.
ضحايا شاحنات الإغاثة
أُصيبت الفتاة في أغسطس/آب، عندما خرجت من خيمة عائلتها في مدينة خان يونس الجنوبية، بحثاً عن شقيقها الأصغر مهند، كما صرّحت لوكالة أسوشييتد برس. وكان الصبي قد خرج في وقت سابق من ذلك الصباح، أملاً في الحصول على بعض الطعام من شاحنات الإغاثة.
وأعلنت الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات لغزة، أنه سيتم السماح بـ”حركة محدودة للأفراد فقط”. وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد صرّح سابقاً بأن إسرائيل ستسمح بخروج 50 مريضاً يومياً، بينما تحدث آخرون عن إمكانية خروج ما يصل إلى 150 مريضاً يومياً.
يمثل هذا ارتفاعاً كبيراً مقارنةً بنحو 25 مريضاً أسبوعياً سُمح لهم بالمغادرة منذ بدء وقف إطلاق النار، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. لكن سيستغرق الأمر ما بين 130 و400 يوم من عمليات العبور لإخراج جميع المحتاجين.
في ذلك الوقت، حين كانت غزة على وشك المجاعة، كانت حشود غفيرة تنتظر الشاحنات بانتظام وتسحب صناديق الطعام منها، وكثيراً ما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار على هذه الحشود. وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته كانت تطلق طلقات تحذيرية، لكن المئات قُتلوا على مدى عدة أشهر، وفقاً لمسؤولين صحيين في غزة.
عجز المستشفيات عن إجراء عمليات جراحية
عندما وصلت الفتاة إلى حافة منطقة تسيطر عليها القوات العسكرية، والتي كانت الشاحنات تمر منها، كان العشرات يفرون بينما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار. وقالت إن رصاصة أصابت “أبو لحية” في ركبتها، فسقطت على الأرض وهي تصرخ.
أدت الحملة الإسرائيلية في غزة، عقب هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على جنوب إسرائيل والذي أشعل فتيل الحرب، إلى تدمير القطاع الصحي في القطاع. وقد اكتظت المستشفيات القليلة المتبقية بالجرحى. ويعاني القطاع من نقص حاد في الإمدادات الطبية، كما فرضت إسرائيل قيوداً على دخول المساعدات.
تعجز المستشفيات عن إجراء عمليات جراحية معقدة للعديد من الجرحى، بمن فيهم آلاف مبتوري الأطراف، أو علاج العديد من الأمراض المزمنة. أُغلق مستشفى غزة المتخصص الوحيد لعلاج السرطان في بداية الحرب، ودمرته القوات الإسرائيلية مطلع عام 2025. ودون تقديم أي دليل، زعم الجيش أن مقاتلي حماس كانوا يستخدمونه، رغم أنه كان يقع في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية طوال معظم فترة الحرب.
عراقيل الاحتلال يمنع إجلاء المرضى
وأفادت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 10000 مريض غادروا غزة لتلقي العلاج في الخارج منذ بدء الحرب. بعد أن استولت القوات الإسرائيلية على معبر رفح وأغلقته في مايو 2024 وحتى وقف إطلاق النار، لم يتم إجلاء سوى حوالي 17 مريضًا أسبوعيًا من غزة، باستثناء زيادة وجيزة لأكثر من 200 مريض أسبوعيًا خلال وقف إطلاق النار لمدة شهرين في أوائل عام 2025، وفقًا لأرقام منظمة الصحة العالمية.
وذكرت وزارة الصحة بأن نحو 440 شخصاً ممن يسعون للإجلاء يعانون من إصابات أو أمراض تهدد حياتهم. وأضافت الوزارة، أن أكثر من 1200 مريض لقوا حتفهم أثناء انتظارهم الإجلاء. وقال مسؤول في الأمم المتحدة إن أحد أسباب بطء عمليات الإجلاء هو تردد العديد من الدول في استقبال المرضى لأن إسرائيل لا تضمن عودتهم إلى قطاع غزة. وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالحديث عن هذا الموضوع. وقد توجهت غالبية المُجَلّين إلى مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا.
وأضاف المسؤول الأممي، أنه ليس من الواضح ما إذا كان ذلك سيتغير مع افتتاح رفح. وأضاف أنه حتى مع عمليات الإجلاء “اليومية أو شبه اليومية”، فإن العدد ليس مرتفعاً للغاية. إسرائيل حظرت أيضاً إرسال المرضى إلى المستشفيات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية منذ بدء الحرب، وهي خطوة قطعت ما كان سابقاً المنفذ الرئيسي للفلسطينيين الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في غزة.
معاناة مرضى السرطان في غزة
أحمد برهام، طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً، يكافح سرطان الدم. خضع لعمليتين جراحيتين لإزالة العقد الليمفاوية في يونيو، لكن المرض لا يزال ينتشر “بمعدل ينذر بالخطر. “لا يوجد علاج متاح هنا”. ابنه، الذي فقد 35 كيلوغراماً (77 رطلاً)، أُدرج اسمه على قائمة الانتظار العاجلة للإحالة إلى الخارج في الأسبوع الماضي، لكنه لم يحصل بعد على تأكيد السفر. قال الأب: “ابني يموت أمام عيني”. حسب تصريحات والده محمد برهام نشرتها وكالة اسوشيتد برس.
محمود أبو إسحاق، البالغ من العمر 14 عاماً، ينتظر منذ أكثر من عام على قائمة الإحالة للعلاج في الخارج. انهار سقف منزل عائلته عندما أصابت غارة إسرائيلية بلدة بني سهيلة الجنوبية القريبة. وأصيب الصبي بجروح، من بينها انفصال في شبكية العين. قال والده، فواز أبو إسحاق: “إنه الآن أعمى تماماً. نحن ننتظر فتح المعبر”.
في مستشفى ناصر القريب، خضعت لعدة عمليات جراحية، لكن لم يتمكن الأطباء من إصلاح ركبتها. وأخبروها أنها بحاجة إلى جراحة استبدال مفصل الركبة خارج غزة. أبلغ المسؤولون العائلة الشهر الماضي أنها ستُجلى في يناير. لكن حتى الآن لم يحدث شيء، كما قال والدها سرحان أبو ليهيا: “حالتها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. إنها تجلس وحيدة وتبكي”.







