تُعد المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب 2025 اختباراً حقيقياً لقدرة الهيئة الوطنية للانتخابات على معالجة الثغرات التي رافقت المرحلة الأولى، وفي مقدمتها الاتهامات المتعلقة باستخدام المال السياسي ومحاولات التأثير في إرادة الناخبين. فبينما شهدت المرحلة الأولى شكاوى متعددة من التحالفات والمرشحين بشأن عمليات شراء الأصوات وتوجيه الناخبين أمام بعض اللجان، جاءت المرحلة الثانية محاطة بترقّب شديد، سواء من جانب القوى السياسية أو من جانب الرأي العام الذي بات يقيس مستوى النزاهة من خلال قدرة الدولة على بسط رقابتها ومنع تكرار التجاوزات.
تحديات السيطرة على المال السياسي
توضح المعطيات الأولية للمرحلة الثانية أن الهيئة الوطنية للانتخابات دخلت هذا الاستحقاق وهي أكثر استعداداً، وأكثر تشدداً في مواجهة أي محاولات لإعادة إنتاج ممارسات المال السياسي. فانتظام العمل في اللجان منذ الصباح الباكر، ووجود غرف عمليات مركزية فعّالة، واتصالات مباشرة عبر الفيديو كونفرانس بين رئيس الهيئة ورؤساء لجان المتابعة في المحافظات، جميعها مؤشرات على وجود إدارة مركزية يقظة تتابع التفاصيل لحظة بلحظة. كما أن الإعلان المبكر عن لجنتين فقط تأخر فتحهما بسبب ارتباط بحركة القضاة يؤكد ميلاً أكبر نحو الشفافية وتقديم معلومات محدثة للرأي العام، وهو عامل مهم في بناء الثقة.
مع ذلك، فإن مسألة السيطرة على المال السياسي لا تتعلق فقط بحسن إدارة اللجان، بل بطبيعة البيئة الانتخابية المصرية التي لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بقدرة بعض المرشحين على استخدام شبكات نفوذ محلية، سواء عبر الخدمات أو عبر وسائل الضغط الاجتماعي، بالإضافة إلى القدرة على توفير موارد مالية ضخمة تجعل عملية الضبط أكثر تعقيداً. لذلك فإن السؤال لا يكمن في ما إذا كانت هناك محاولات لاستخدام المال السياسي—إذ هي ظاهرة يصعب القضاء عليها كلياً—بل في ما إذا كانت الهيئة استطاعت احتواء هذه المحاولات ومنعها من التأثير في نتائج التصويت على نطاق واسع.
محاولات التأثير على الناخبين
تشير البيانات الواردة من المحافظات في اليوم الأول للاقتراع إلى أن لجان المتابعة في محافظات القليوبية ودمياط وشمال القاهرة والشرقية قدّمت صورة إيجابية عن سير العملية، إذ أكد رؤساء هذه اللجان أن العمل يسير بانتظام، وأن الإقبال ملحوظ في بعض الدوائر، وأن الشكاوى المتعلقة بمحاولات التأثير على الناخبين أو الدعاية غير المشروعة لا تزال محدودة. لكن هذه الإفادات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على مستوى السيطرة، لأن جزءاً كبيراً من المال السياسي يعمل في الهوامش، بعيداً عن مداخل اللجان، سواء عبر توفير نقل جماعي للناخبين، أو «حشد» منظم يعتمد على شبكات مصالح محلية.
من ناحية أخرى، فإن نبرة القاضي أحمد بنداري، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، تحمل رسائل واضحة بأن الهيئة تتعامل بصرامة مع أي تجاوزات محتملة، وتتلقى الشكاوى مباشرة وترفعها إلى مجلس إدارة الهيئة لاتخاذ الإجراءات المناسبة. والتنبيه على منع تغيير مقار اللجان الفرعية بعد شكاوى من بعض الأحزاب يعكس حساسية الهيئة تجاه أي تغييرات قد يتم توظيفها للتأثير على أنماط التصويت. وهذا السلوك الإداري يعزز الانطباع بأن الهيئة أكثر حرصاً على إغلاق الأبواب التي قد تتيح لبعض المرشحين التلاعب بالانتخابات أو استغلال ثغرات تنظيمية.
توثيق المخالفات والقدرة على إدارة الانتخابات بشفافية
يبقى السؤال الأكثر حساسية هو مدى قدرة الهيئة على مواجهة المال السياسي في بيئة انتخابية تختلف موازينها من محافظة إلى أخرى. فبعض المحافظات—خصوصاً التي تتسم بتركيبة قبلية أو بعلاقات اجتماعية مترابطة—يكون فيها تأثير المال السياسي أكثر فعالية، ليس لأن الناخبين يتخلون عن اختيارهم بسهولة، بل لأن المرشح القادر على توفير مساعدات أو خدمات أو حتى وعود اقتصادية يجد له قاعدة اجتماعية قابلة للتفاعل. وفي المرحلة الأولى، ظهرت مثل هذه الممارسات في عدد من المناطق الريفية وشبه الحضرية، ما دفع مراقبين للاعتقاد بأن مواجهة المال السياسي تحتاج إلى أكثر من إجراءات تنظيمية، بل إلى منظومة رقابية قادرة على رصد ما يجري خارج نطاق اللجان.
في السياق ذاته، لا يمكن إغفال دور القوى السياسية المنافسة التي تكشف عبر طواقمها الميدانية عن أي تجاوزات، سواء بهدف المنافسة أو بدافع الحرص على نزاهة الانتخابات. وفي هذه المرحلة، يبدو أن معظم الأحزاب والمرشحين المستقلين أكثر استعداداً لتوثيق أي حادثة تتعلق بشراء الأصوات أو التأثير على الناخبين، وهو عامل قد يشكل ضغطاً إضافياً على الهيئة لاتخاذ إجراءات حاسمة. غير أن توثيق المخالفات لا يضمن دائماً اتخاذ إجراءات صارمة، لأن المتابعة القانونية لهذه المخالفات تحتاج إلى أدلة واضحة، وتجهيز ملفات مكتملة، وإجراءات قد تستغرق وقتاً طويلاً.
ومع ذلك، فإن المؤشرات الأولية التي رافقت اليوم الأول من المرحلة الثانية تعطي انطباعاً بأن الهيئة تميل إلى الحسم أكثر من المرحلة السابقة، ربما بسبب الانتقادات التي واجهتها، وربما لأن المرحلة الثانية تمثل فرصة لإثبات أن المؤسسة الرسمية قادرة على إدارة انتخابات نزيهة تتسم بالشفافية. وما يعزز هذا الانطباع هو الظهور المتكرر لرئيس الهيئة أمام الإعلام، وتصريحاته التي تركز على الانضباط، والالتزام بالقواعد، والتعامل مع أي مخالفة فوراً. كما أن وجود إقبال كبير في بعض اللجان—كما في الزقازيق وبعض أحياء القاهرة—يشير إلى أن المواطنين يشعرون ببيئة آمنة ومهيأة للإدلاء بأصواتهم، وهو عنصر أساسي في أي عملية انتخابية ناجحة.
أزمة شراء الأصوات
غير أن النزاهة ليست فقط في منع شراء الأصوات، بل أيضاً في ضمان عدالة المنافسة بين المرشحين. فإذا كانت بعض الدوائر تشهد وجود مرشحين ذوي موارد مالية ضخمة، بينما يفتقد آخرون للدعم المادي أو الإعلامي، فإن موازين العملية الانتخابية قد تميل لصالح من يملك أدوات التأثير غير المباشرة، حتى في ظل غياب شراء الأصوات المباشر. وهنا يأتي دور الهيئة في التأكد من التزام الجميع بقواعد الدعاية، ومنع استغلال المساحات العامة، وضبط الحملات التي تتجاوز ما يسمح به القانون. وقد بدا واضحاً أن الهيئة شددت الرقابة على الدعاية أمام اللجان في هذه المرحلة، وهو أحد مجالات النفوذ الذي عادة ما يُستخدم للتأثير على الناخبين لحظة التصويت.
إن المرحلة الثانية تظهر حتى الآن قدراً أكبر من الانضباط الإداري والرقابة الفورية، لكن الحكم النهائي على نجاح الهيئة في ضبط المال السياسي يتطلب انتظار اليومين التاليين واستكمال فرز الأصوات وإعلان النتائج. فالثقة العامة لا تُبنى على الإجراءات فقط، بل على نتائج ملموسة تثبت أن إرادة الناخبين هي التي تحدد الفائزين، لا حجم الإنفاق. ورغم أن المال السياسي قد يبقى جزءاً من الواقع الانتخابي في مصر، فإن وجود هيئة يقظة ومنفتحة على الشكاوى، وقادرة على اتخاذ إجراءات عاجلة، يمثل خطوة مهمة نحو انتخابات أكثر نزاهة. وفي المرحلة الثانية تحديداً، تبدو الهيئة أكثر تصميماً على عدم السماح بتكرار ما حدث في المرحلة الأولى، ما يجعلها أمام اختبار حقيقي لكسب ثقة الشارع وإثبات قدرتها على إدارة العملية الانتخابية بأعلى قدر من الشفافية والانضباط.







