في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تداعيات حرب غزة مع تحولات موازين القوى وخطاب ما بعد السابع من أكتوبر، عاد الجدل حول مستقبل المقاومة الفلسطينية وسلاحها إلى الواجهة، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة الصراع.
وفي هذا السياق، تكشف تصريحات رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، خالد مشعل، عن رؤية سياسية متكاملة تتجاوز البعد العسكري، لتعيد تأطير النقاش حول غزة والمقاومة والدولة الفلسطينية ضمن سياق أشمل عنوانه: صراع وجود لا نزاع حدود.
نزع السلاح مرفوض
قراءة مشعل لا تكتفي برفض الطروحات المطالِبة بنزع سلاح المقاومة، بل تضعها في إطار ما يصفه بمحاولات إعادة إنتاج الرؤية الإسرائيلية وتسويقها دوليًا، في وقت يشهد فيه العالم تحولات لافتة في المواقف الشعبية والسياسية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
وخلال مشاركته في جلسة بمنتدى الجزيرة السابع عشر بالدوحة، أكد خالد مشعل، أن حركة حماس منفتحة على مقاربات واقعية تقوم على “الضمانات”، وليس على نزع السلاح. مشيرا إلى أن الحركة طرحت عبر الوسطاء، قطر ومصر وتركيا، صيغا تشمل تهدئة طويلة الأمد، ووجود آليات دولية لمنع التصعيد.
وشدد على أن الخطر الحقيقي لا يأتي من غزة التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي، بل من إسرائيل، رافضا في الوقت نفسه أية وصاية خارجية أو محاولات لإعادة إنتاج الانتداب. مشيرًا إلى أن غزة لأهلها، وأن الفلسطينيين هم من يحكمون أنفسهم، وأن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه يشكل عنصر القوة الحقيقي، معتبرا أن إفشال مشروع التهجير كان من أعظم إنجازات هذه المرحلة. حسب الجزيرة.
الضفة الغربية تشهد عملية خطيرة
واستعرض “مشعل” الوضع الفلسطيني خلال الفترة الأخيرة موضحا أن الفلسطينيين والمنطقة والعالم يقفون اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد، في ظل تداعيات حرب الإبادة على قطاع غزة، والتحولات المتسارعة في الإقليم والنظام الدولي، مؤكدا أن وقف الحرب لا يعني انتهاء المعاناة، ولا إسدال الستار على جوهر الصراع.
وأشار إلى أن إسرائيل لا تزال تمارس عدوانها بأشكال مختلفة، في غزة والضفة والقدس، كما تضرب في أكثر من ساحة إقليمية، في وقت يشهد فيه العالم حالة تفاعل غير مسبوقة مع القضية الفلسطينية، وغضبا متصاعدا تجاه إسرائيل، لا سيما في ظل التحولات السياسية الدولية، والتغيرات داخل الولايات المتحدة وأوروبا.
وأكد رئيس المكتب السياسي لحماس في الخارج، أن الفلسطينيين ليسوا أمام سؤال واحد، بل أمام 4 أسئلة كبرى، مشددا على ضرورة وضع هذه الأسئلة في إطارها الشامل وعدم حصر النقاش في زاوية واحدة. ويتعلق السؤال الأول، حسب مشعل، بواقع غزة ومستقبلها، وكذلك بالضفة الغربية التي تشهد “عملية خطيرة”، ولا يزال قطاع غزة رغم وقف الحرب منذ أكثر من 4 أشهر، يعاني أوضاعا إنسانية كارثية.
فتح معبر رفح بشكل كامل
وأشار إلى أن المطلوب في هذه المرحلة هو فتح معبر رفح بشكل كامل لإدخال الإغاثة، وتمكين الناس من الإيواء، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، واستكمال متطلبات المرحلة الأولى، تمهيدا للانتقال إلى المرحلة الثانية بكل ما تحمله من أسئلة كبيرة.
وأكد أن حركة حماس، ومعها مختلف القوى الفلسطينية، معنيّة بإيجاد مقاربات وحراك سياسي وفق رؤية وطنية جامعة، لا رؤية حزبية ضيقة، بهدف الوصول إلى حلول حقيقية وعملية لهذه التحديات الكبرى، بما يعيد غزة إلى وضعها الطبيعي، ويفتح الطريق أمام الإعمار والإيواء، وتعافي المجتمع من جراحه، وعودة الشعب الفلسطيني في غزة إلى حياته الإنسانية والوطنية الطبيعية. حسب الجزيرة.
وشدد على أن أي معالجة يجب أن تكون في إطار الثوابت الوطنية، والتمسك بالهوية الفلسطينية، وحقوق الشعب، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وحق مقاومة الاحتلال، وأكد أن غزة جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، ولا يمكن فصلها عن الضفة الغربية أو بقية الجغرافيا الفلسطينية.
تصدير القضية الفلسطينية إلى الواجهة الإقليمية
وأكد مشعل أن السؤال الثاني هو المعني بموقع القضية الفلسطينية بعد عملية “طوفان الأقصى”، مؤكدا أنها وما تلاها من حرب إبادة، أعادا تصدير القضية الفلسطينية إلى الواجهة الإقليمية والدولية، بعد أن كانت محاصرة في الأدراج والغرف المغلقة. موضحًا أن العالم بات يطرح اليوم سؤالا عن الحل، وعُقدت مؤتمرات حول الدولة الفلسطينية، لكنّ التحدي الحقيقي هو ماذا بعد؟ محذرا من محاولات إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأطراف التعامل مع غزة والضفة كجغرافيات مبعثرة، وشعب بلا رابط، وبلا هوية أو مرجعية أو أفق سياسي.
وأشار مشعل إلى أن اعتراف 159 دولة بالدولة الفلسطينية خطوة مهمة، لكنها غير كافية. متسائلا عن كيفية تحويل الدولة الفلسطينية إلى حقيقة واقعة على الأرض؟، واعتبره السؤال المركزي الذي يجب أن ينشغل به الفلسطينيون والعرب والمسلمون وأصدقاء القضية في العالم.
أما السؤال المركزي الثالث، فقال مشعل إنه يركز على المقاومة وسلاحها وهو ما يُطرح اليوم بقوة، في محاولة لحصره في أحداث السابع من أكتوبر، وتجريم المقاومة وتجريدها من شرعيتها. وشدد على رفض هذا المنطق، موضحا أن إعادة طرح السؤال في سياقه الصحيح، أي كقضية احتلال وشعب يناضل من أجل تقرير مصيره واستقلاله، تجعل المقاومة أمرا طبيعيا، وسلاح المقاومة حقا مشروعا.
نزع السلاح خطر وجودي
وقال إن المقاومة حق تكفله القوانين الدولية والشرائع السماوية، وهي جزء من ذاكرة الشعوب وتجاربها التاريخية، مشيرا إلى أن تاريخ الأمم يُقرأ من خلال معاركها الكبرى ضد الاحتلال والهيمنة. واستعرض مشعل محطات تاريخية في مسيرة النضال الفلسطيني، بدءا من ثورة الشهيد عز الدين القسام عام 1935، مرورا بثورة عبد القادر الحسيني عام 1948، وانطلاق بالثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، ومعركة الكرامة عام 1968، والانتفاضتين الأولى والثانية، وصولا إلى الحروب المتكررة على غزة.
وهذه المحطات، التي وُصفت في حينها بالمغامرة، شكّلت في مجموعها رافعة للنضال الفلسطيني، كما قال “ولا يجوز عزل أي محطة عن سياقها التاريخي العام، والثابت هو استمرار المقاومة ما دام الاحتلال قائما، أما المتغير فهو أشكال المقاومة وأدواتها”، مؤكدا أن محاولات نزع سلاح الشعب الفلسطيني، في وقت تُسلّح فيه مليشيات عميلة وتُغذّى الفوضى، تمثل خطرا وجوديا حسب مشعل.
إسرائيل تستنزف قدرات الولايات المتحدة وأوروبا
أما السؤال الرابع، من وجه نظر مشعل، فهو يتعلق بمشكلة العالم مع إسرائيل، حيث قال مشعل إن إسرائيل كانت تُقدَّم على أنها كيان يمثل الحضارة الغربية، لكنْ ما جرى في غزة كشف حقيقتها، ككيان تجسدت فيه كل أشكال البذاءة والوحشية في التاريخ الإنساني.
واعتبر مشعل أن إسرائيل باتت عبئا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا على داعميها، وتستنزف قدرات الولايات المتحدة وأوروبا، وتُهدد استقرارهم الداخلي، وهو ما كان أحد أسباب وقف الحرب على غزة. ودعا إلى الانتقال من سياسة الدفاع إلى الهجوم السياسي والقانوني، والعمل على ترسيخ صورة إسرائيل ككيان منبوذ يهدد الأمن والاستقرار والمصالح الدولية، على غرار ما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.




