منذ أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى نيجيريا بحجة “حماية المسيحيين”، تحولت الأزمة إلى محور نقاش دولي حاد، كشف مجددًا عن توتر العلاقة بين واشنطن والعواصم الأفريقية التي باتت ترفض أن تُعامل كحدائق خلفية للغرب.
نيجيريا تردّ بحزم: السيادة خط أحمر
في ردّ قاطع، أكدت الحكومة النيجيرية أن دستورها لا يسمح بأي شكل من أشكال الاضطهاد الديني، مشددة على أن الدولة قائمة على مبدأ المساواة والحرية لجميع مواطنيها.
وزير الخارجية يوسف توغار قال من برلين إن “من المستحيل أن تدعم حكومة نيجيريا أي اضطهاد ديني بأي طريقة أو شكل”، في رسالة واضحة بأن نيجيريا لن تقبل المزايدات الخارجية على نظامها الداخلي.
التصريحات جاءت بعد تهديد ترمب بإرسال قوات إلى نيجيريا، ما أثار موجة غضب بين النيجيريين من مختلف الديانات، الذين رأوا في ذلك تعدياً سافراً على سيادتهم الوطنية ومحاولة لإعادة وصاية استعمارية بثوب ديني جديد.
ورغم حساسية الملف الديني في نيجيريا، فإنّ مراقبين أكدوا أن الصراعات هناك ليست طائفية بحتة، بل تمتد جذورها إلى قضايا الفقر والتهميش والتنافس على الموارد والسلطة.
بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي.. صورة معقدة
تاريخيًا، تنقسم نيجيريا بالتساوي تقريبًا بين شمال ذي أغلبية مسلمة وجنوب ذي أغلبية مسيحية، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر الدول تنوعًا دينيًا وثقافيًا في القارة.
غير أن هذا التنوع كثيرًا ما تم توظيفه سياسيًا، سواء من قِبل نخب محلية تبحث عن نفوذ، أو أطراف خارجية تستخدمه كأداة للتأثير.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت حملات على مواقع التواصل تتحدث عن “إبادة جماعية للمسيحيين”، وهو ما وصفه محللون بأنه تضخيم متعمد يهدف إلى خلق حالة تعبئة دينية في الغرب.
وساهمت بعض الجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة وأوروبا في تغذية هذه السردية، في محاولة لتبرير تدخل عسكري جديد تحت شعار “نصرة الأقليات”.
تينوبو يواجه الأزمة بخطاب الوحدة
الرئيس النيجيري بولا تينوبو حاول امتصاص الأزمة بخطاب توافقي دعا فيه إلى الوحدة الوطنية والتسامح الديني، مؤكدًا أن “الحرية الدينية كانت دائمًا حجر الأساس في هوية نيجيريا وستظل كذلك”.
وأكد تينوبو أن بلاده لن تسمح لأي طرف خارجي بأن يستخدم الدين ذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية، مضيفًا أن نيجيريا تمتلك مؤسسات دستورية وقانونية قادرة على التعامل مع أي تجاوزات أو انتهاكات.
تصريحاته لاقت ترحيبًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، باعتبارها رسالة تهدئة في لحظة شديدة التوتر،
لكن محللين يرون أن الأزمة كشفت هشاشة العلاقة بين واشنطن ونيجيريا، رغم التعاون الأمني والعسكري القائم بينهما منذ سنوات في مواجهة تنظيم “بوكو حرام” والمجموعات المتطرفة شمال البلاد.
واشنطن في مرمى الانتقادات الأفريقية
لم يكن الغضب النيجيري وحده، فعدّة دول أفريقية سارعت إلى انتقاد تصريحات ترمب، معتبرة أنها تكرار لسياسة “الأب الوصي” التي عانت منها القارة طويلاً.
العديد من العواصم الأفريقية رأت أن ما يحدث يعكس ازدواجية أميركية واضحة؛ إذ تتحدث واشنطن عن الحرية الدينية في أفريقيا بينما تغض الطرف عن انتهاكات مشابهة في مناطق أخرى.
تحليلات صحفية في جنوب أفريقيا وكينيا وغانا وصفت التهديد الأميركي بأنه “تجسيد للعقلية الاستعمارية القديمة”، فيما دعا ناشطون أفارقة إلى تشكيل جبهة قارية لرفض أي تدخل عسكري أجنبي في شؤون القارة.
ويرى البعض أن هذه الأزمة قد تدفع أفريقيا لمراجعة تحالفاتها الأمنية، وربما فتح الباب أوسع أمام تعاون أكبر مع الصين وروسيا كقوتين لا تتدخلان في الشؤون الدينية الداخلية.
ترمب.. بين الدين والسياسة
تصريحات ترمب لم تأتِ في فراغ، بل في سياق سياسي أميركي محتدم، مع اقتراب الانتخابات المقبلة التي يحاول فيها استعادة دعم اليمين الإنجيلي المتشدد.
الخطاب الذي يربط بين “اضطهاد المسيحيين” و”واجب التدخل الأميركي” ليس جديدًا على ترمب، إذ استخدمه سابقًا في ملفات سوريا والعراق وحتى في أميركا اللاتينية.
لكن هذه المرة، اختار نيجيريا — الدولة المحورية في غرب أفريقيا — لتكون ساحة اختبار جديدة، ما قد يضع واشنطن في مواجهة قارة بأكملها.
ويرى مراقبون أن الرئيس الأميركي السابق، يسعى من خلال هذا الخطاب لاستعادة صورته كـ”زعيم عالمي يدافع عن الإيمان”، في مواجهة خصومه الديمقراطيين الذين يركزون على الداخل.
أفريقيا ترفض العودة لعصر الوصاية
الردود الأفريقية القوية عكست إدراكًا متزايدًا لأهمية حماية القرار السيادي من الضغوط الخارجية، خصوصًا في ظل تصاعد النفوذ الصيني والروسي داخل القارة، والعديد من الزعماء الأفارقة يرون أن تدخل واشنطن في شؤون الدول الأفريقية تحت أي مبرر، يهدد استقرار المنطقة ويعيد شبح الحروب بالوكالة.
التحول اللافت أن الخطاب الرسمي الأفريقي لم يعد دفاعيًا كما في الماضي، بل بات هجوميًا في مواجهة أي محاولات وصاية، ولعل نيجيريا، بثقلها الاقتصادي والعسكري، ستكون في صدارة هذه المواجهة الرمزية بين “أفريقيا الجديدة” و”الغرب القديم”.
القارة تقول كفى
يقول الدكتور أديولا أوييومي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لاغوس، إن التهديد الأميركي يمثل اختبارًا لمفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين.
ويضيف أن واشنطن ما زالت تتعامل مع أفريقيا بمنطق الحرب الباردة، حيث ترى في نفسها وصيًّا على قيم الديمقراطية والحرية، بينما تتجاهل إرادة الشعوب الأفريقية.
ويرى أوييومي أن نيجيريا، بردها القوي، أطلقت إشارة رمزية بأن القارة لم تعد مستعدة للانصياع للضغوط الخارجية، خاصة عندما تأتي في ثوب ديني، ويؤكد أن الأزمة الحالية يمكن أن تكون نقطة تحوّل في علاقة أفريقيا بالغرب، إذا أحسن القادة الأفارقة استثمارها في بناء موقف موحّد يعيد الاعتبار لكرامة القارة واستقلال قرارها.
«التحالفات الجديدة تعيد رسم الخريطة»
ويشير أوييومي إلى أن نيجيريا قد تلجأ لتقوية تحالفاتها مع الصين وروسيا كنوع من الردّ العملي على التهديدات الأميركية، في وقت يتصاعد فيه النفوذ الآسيوي داخل أفريقيا.
ويضيف أن سياسة “الضغط بالقيم” التي تنتهجها واشنطن تفقد تأثيرها تدريجيًا، في مقابل نموذج التعاون الاقتصادي غير المشروط الذي تقدمه بكين وموسكو، ويرى أن الأيام المقبلة قد تشهد تحولات استراتيجية كبيرة، خصوصًا إذا قررت نيجيريا استخدام الأزمة لبناء محور أفريقي جديد يدافع عن السيادة والاستقلالية.
ويختتم بالقول إن “القارة الأفريقية تدخل مرحلة جديدة من الوعي السياسي، حيث لم يعد الدين أو حقوق الإنسان بوابة صالحة لفرض النفوذ”.
ترمب يخاطب جمهوره لا العالم
من جانبه، يقول الدكتور جيمس هارولد، الباحث في مركز السياسة الخارجية بواشنطن، إن تهديد ترمب لنيجيريا “ليس تعبيرًا عن سياسة أميركية رسمية بقدر ما هو محاولة لاستقطاب الناخبين المحافظين في الداخل الأميركي”.
ويضيف أن الرئيس الأميركي السابق يستخدم عادة ملفات دينية وإنسانية لإشعال النقاش العام واستعادة الأضواء، دون نية حقيقية للتدخل العسكري، ويشير إلى أن المؤسسات الأميركية، مثل البنتاغون والكونغرس، لن تسمح بخطوات متهورة كهذه، خصوصًا ضد دولة شريكة في مكافحة الإرهاب مثل نيجيريا.
لكن هارولد يرى أن الضرر قد حدث بالفعل، إذ خلقت تصريحات ترمب شرخًا جديدًا في الثقة بين واشنطن وشركائها الأفارقة.
ويتابع هارولد أن ترمب يستخدم الخطاب الديني لتبرير سياسات براغماتية تهدف إلى كسب النفوذ، لا لحماية الأقليات كما يدّعي، ويؤكد أن هذا النهج يتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها الدبلوماسية الأميركية الحديثة، مشيرًا إلى أن “الدين في السياسة الخارجية الأميركية أصبح أداة تعبئة داخلية أكثر من كونه مبدأ إنسانيًّا”.
ويحذر من أن استمرار هذا النمط قد يدفع أفريقيا بأكملها نحو أحضان خصوم واشنطن الجيوسياسيين، في ظل بحث القارة عن شركاء أكثر احترامًا لسيادتها.
ويختتم بالقول إن “نيجيريا اليوم لا تدافع عن نفسها فقط، بل عن حق القارة كلها في أن تُعامل كندّ، لا كتابع”.







