أعلنت وزارة الداخلية التونسية أن الاعتداء الذي تعرضت له سفينة راسية في ميناء سيدي بوسعيد كان «مدبراً»، مؤكدة أنها تجري تحقيقات واسعة لكشف الملابسات وتحديد الجهة التي خططت ونفذت العملية. الاعتداء جاء بعد ساعات فقط من إعلان منظمة «أسطول الصمود العالمي» أن إحدى سفنها، وهي سفينة «الما»، أصيبت بمقذوف أطلقته طائرة مسيرة. ولم يكن هذا الهجوم الأول من نوعه، إذ سبق أن تعرضت سفينة «قارب العائلة»، أكبر سفن الأسطول، لاعتداء مشابه قبل يوم واحد.
ورغم أن الهجومين لم يسفرا عن إصابات في صفوف النشطاء، فإنهما أثارا حالة من القلق البالغ، خصوصاً أن الاستهداف وقع داخل مرفأ تونسي يفترض أنه تحت سيطرة أمنية مشددة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة عن كيفية وصول الطائرات المسيّرة إلى الميناء، وما إذا كان هناك اختراق أمني أو تعاون من جهات داخلية.
اتهامات لإسرائيل وتباين في المواقف
في حين اتجهت أصابع الاتهام سريعاً إلى إسرائيل باعتبارها صاحبة المصلحة الأولى في منع أي محاولة لكسر الحصار البحري المفروض على غزة، اكتفت السلطات التونسية في البداية بنفي فرضية «اعتداء خارجي»، قبل أن تعود وتعلن أن الهجوم كان مدبراً، وهو ما يعكس تضارباً في المواقف أو تحفظاً في الإعلان عن تفاصيل التحقيق.
نشطاء «أسطول الصمود» أكدوا في مؤتمر صحافي أن لديهم مؤشرات على تورط إسرائيل في العملية، مشيرين إلى أن هذا النوع من الاعتداءات يندرج ضمن سياسة تل أبيب التقليدية في ملاحقة المبادرات التضامنية مع غزة حتى خارج المياه الإقليمية الفلسطينية.
تأجيل الرحلة نحو غزة
بسبب الاعتداءات، قررت اللجنة المنظمة لرحلة الأسطول تأجيل انطلاقته التي كانت مقررة إلى قطاع غزة. المنظمون أرجعوا السبب إلى عوامل «لوجستية وأمنية»، لكن مصادر مطلعة ربطت القرار مباشرة بالهجوم الأخير، معتبرة أن الفريق بحاجة إلى إعادة تقييم الإجراءات الأمنية وضمان سلامة المشاركين قبل الإبحار.
«أسطول الصمود العالمي» يمثل مبادرة مدنية تهدف إلى كسر الحصار البحري الإسرائيلي عبر إرسال قوارب محملة بالمساعدات الإنسانية إلى غزة، وهو ما يجعله عرضة للاستهداف السياسي والأمني في كل محطة من محطاته، سواء داخل أوروبا أو على شواطئ المتوسط.
أبعاد إقليمية ودولية
حادثة استهداف سفن الإغاثة في ميناء تونسي ليست مجرد اعتداء عابر، بل تحمل في طياتها أبعاداً إقليمية ودولية. فإذا ثبت تورط إسرائيل، فإن ذلك يعني أن تل أبيب باتت تنقل عملياتها إلى موانئ دول ذات سيادة، ما قد يفتح أزمة دبلوماسية جديدة مع تونس التي تحرص على إظهار نفسها كداعم ثابت للقضية الفلسطينية.
كما أن الاعتداء يضع المنظمات الدولية والحقوقية أمام تحدٍ كبير، إذ يكشف حجم المخاطر التي تواجه المبادرات المدنية الساعية إلى دعم غزة. وربما يدفع ذلك إلى تصعيد المطالب بفتح تحقيق دولي يكشف الحقيقة ويوفر ضمانات مستقبلية لهذه القوافل.
دلالات المشهد
الهجوم على سفن «أسطول الصمود» في تونس يعكس اتساع دائرة الصراع على غزة، بحيث لم تعد مقتصرة على ساحات القتال المباشر، بل امتدت إلى الفضاء البحري والموانئ البعيدة. هذا التطور يضع المجتمع الدولي أمام سؤال محوري: هل يمكن لمبادرات إنسانية بحتة أن تواصل عملها في ظل واقع إقليمي محتقن وبيئة أمنية مفتوحة على كل الاحتمالات؟







