تُظهر الأحداث التي وقعت فجر اليوم في نابلس وبيت لحم والقدس تصعيداً إسرائيلياً متجدداً في سياسات القمع والاستيطان والتهويد، من خلال سلسلة من الاعتداءات المتزامنة التي تحمل دلالات تتجاوز طابعها العسكري المباشر، لتكشف عن نهج ممنهج يهدف إلى ترسيخ السيطرة على الأرض، وفرض الوقائع بالقوة.
في نابلس، أعادت قوات الاحتلال والمستوطنون اقتحام “مقام يوسف”، وهو موقع يشهد باستمرار مواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال التي توفر الحماية لمجموعات المستوطنين أثناء أدائهم طقوساً دينية تلمودية في المكان. هذا الاقتحام ترافق مع اعتداءات ميدانية طالت المدنيين العزّل، وأسفرت عن إصابات مباشرة، منها حروق وسقوط من أماكن مرتفعة، إلى جانب عشرات حالات الاختناق بالغاز. هذه الحادثة تؤكد استخدام الاحتلال لأسلوب العقاب الجماعي ضد سكان المدينة من أجل تأمين مستوطنين غير شرعيين، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي.
سياسة ممنهجة تستهدف التوسع الاستيطاني
أما في بيت لحم، فقد نفذت جرافات الاحتلال عملية هدم جديدة طالت منزلاً قيد الإنشاء في قرية أرطاس بحجة البناء دون ترخيص. ما يلفت النظر هنا ليس فقط فعل الهدم، بل التوقيت المتزامن مع تصعيد في مناطق أخرى، ما يشير إلى سياسة ضغط ميداني متوازٍ في مختلف مناطق الضفة الغربية. الهدم، وهو جزء من سياسة ممنهجة تستهدف التوسع الاستيطاني، يأتي في إطار خنق التوسع العمراني الفلسطيني وإجبار السكان على الرحيل من مناطق يُنظر إليها على أنها ذات أهمية استراتيجية للمشروع الاستيطاني، لا سيما في منطقة بيت لحم المتاخمة للقدس.
وفي القدس المحتلة، اقتحم عشرات المستوطنين المسجد الأقصى بحماية مشددة من شرطة الاحتلال، ونفذوا جولات استفزازية في باحاته، تخللتها طقوس تلمودية علنية. هذه الاقتحامات، التي باتت شبه يومية، تجري في ظل صمت دولي وتراخٍ من المنظومة القانونية الأممية، وتُستخدم كأداة رئيسية في معركة التهويد التي تستهدف طمس الهوية الإسلامية والعربية للمكان، وتحويله إلى فضاء ديني يهودي تحت السيطرة الكاملة.
كسر الإرادة الفلسطينية
تؤكد هذه الوقائع، مجتمعة، على تصعيد متعمد ومنظم تقوده الحكومة الإسرائيلية، يدمج بين التهجير والهدم والتدنيس، ويستهدف كسر الإرادة الفلسطينية في ثلاث جبهات متداخلة: الحياة اليومية، والمكان، والرمز الديني. ومن الواضح أن الاحتلال يستخدم كل أذرعه – الأمنية والعسكرية والإدارية – لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني، بما يعزز من سلطة الاستيطان ويقوض أي إمكانية لحل سياسي عادل.
في ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة تقييم الموقف الدولي والعربي من السياسات الإسرائيلية، لا سيما في ضوء تجاهل الاحتلال التام للنداءات الحقوقية المتكررة، وتعنته في وجه أي ضغط قانوني أو دبلوماسي.




