في ظل شتاء قاسٍ وضغوط إنسانية متزايدة، عادت الدبلوماسية إلى الواجهة بين موسكو وكييف، ولكن هذه المرة من بوابة الطاقة، بعدما أعلنت أوكرانيا استعدادها لاحترام وقف مؤقت لاستهداف منشآت الطاقة مع روسيا، في خطوة تعكس محاولة حذرة لخفض التصعيد، أكثر مما تعكس تحولاً حقيقياً في مسار الحرب.
كييف تعلن الالتزام… وتركّز على البعد الإنساني
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده مستعدة لاحترام وقف إطلاق النار المتعلق بقطاع الطاقة، والذي بدأ مساء الجمعة 30 يناير، مؤكداً أن أوكرانيا لم تستهدف في ذلك اليوم منشآت الطاقة الروسية.
ورغم الطابع العسكري لهذا الإعلان، فإن الخطاب الأوكراني تعمّد إبراز البعد الإنساني، ولا سيما في ظل موجة برد قارس تضرب البلاد، وتفاقم من معاناة ملايين المدنيين الذين يعتمدون بشكل مباشر على استقرار شبكات الكهرباء والتدفئة.
من خلال هذا الموقف، تسعى كييف إلى الظهور بمظهر الطرف المنضبط والمسؤول أمام المجتمع الدولي، وإلى تعزيز صورتها كشريك يتجاوب مع المبادرات الغربية، خصوصاً تلك القادمة من واشنطن.
مقترح أمريكي قصير الأمد… اختبار للنوايا لا أكثر
زيلينسكي كشف أن الولايات المتحدة اقترحت وقفاً لمدة أسبوع واحد للهجمات على البنية التحتية للطاقة، وهو ما يعكس بوضوح طبيعة المبادرة الأمريكية: إجراء مؤقت، محدود النطاق، ومحصور في قطاع واحد شديد الحساسية.
هذا الطرح لا يرقى إلى مستوى هدنة شاملة أو مسار تفاوضي متكامل، بل يبدو أقرب إلى اختبار سريع للنوايا بين الطرفين، ومحاولة لخفض المخاطر الإنسانية في توقيت بالغ الصعوبة، من دون الدخول في تعقيدات سياسية وعسكرية أوسع.
التركيز على الطاقة تحديداً ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس إدراكاً أمريكياً بأن هذا الملف أصبح أحد أكثر أدوات الضغط تأثيراً في الحرب، سواء على الجبهة الداخلية الأوكرانية أو على صورة روسيا دولياً.
دور ترامب… دبلوماسية شخصية في لحظة حرجة
في تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه طلب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين الامتناع عن مهاجمة العاصمة كييف ومدن أوكرانية أخرى لمدة أسبوع، بسبب موجة البرد القارس.
هذا التدخل المباشر يعكس اعتماداً واضحاً على قنوات الاتصال الشخصية بين ترامب وبوتين، بعيداً عن الأطر الدبلوماسية التقليدية. وهو أسلوب ينسجم مع طريقة ترامب المعروفة في إدارة الملفات الدولية، القائمة على المبادرات السريعة والرسائل المباشرة، بدلاً من المسارات التفاوضية الطويلة.
غير أن هذا النمط من التحرك يثير في الوقت ذاته تساؤلات داخل الأوساط الأوروبية والأوكرانية حول مدى استدامة مثل هذه التفاهمات، وما إذا كانت مرتبطة فقط باعتبارات ظرفية، لا برؤية سياسية متكاملة لإنهاء الحرب.
موسكو توافق… ولكن بشروط زمنية ضيقة
من جانبها، أعلنت موسكو، عبر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أنها وافقت على تعليق الضربات ضد منشآت الطاقة الأوكرانية حتى يوم الأحد، استجابة لطلب ترامب.
اللافت في الموقف الروسي أن الالتزام جاء محدداً زمنياً بدقة شديدة، وهو ما يعكس حرص الكرملين على عدم تحويل هذا التفاهم المؤقت إلى سابقة سياسية أو عسكرية يمكن البناء عليها لاحقاً في أي مفاوضات أوسع.
فموسكو، وإن أبدت مرونة تكتيكية، لا تزال تنظر إلى ملف الطاقة باعتباره ورقة ضغط استراتيجية على كييف وحلفائها، ولا يبدو أنها مستعدة للتفريط بهذه الورقة إلا في حدود ضيقة جداً.
لماذا يتركز التفاهم على قطاع الطاقة؟
خلال الأشهر الماضية، تحوّلت البنية التحتية للطاقة إلى أحد أبرز ميادين الصراع غير المباشر بين الطرفين. فاستهداف محطات الكهرباء وشبكات التوزيع لا يحقق مكاسب عسكرية مباشرة على خطوط الجبهة، لكنه يضغط بقوة على الجبهة الداخلية، ويؤثر في معنويات السكان، ويزيد العبء على الحكومة الأوكرانية.
من هنا، فإن تجميد هذا النوع من الضربات، ولو مؤقتاً، يحمل دلالة سياسية أكثر منها عسكرية. فهو يمنح كييف فرصة لالتقاط الأنفاس خلال ذروة الشتاء، وفي الوقت نفسه يخفف من الضغوط الإعلامية والحقوقية على موسكو، التي واجهت انتقادات واسعة بسبب تأثير الضربات على المدنيين.
هدنة إنسانية أم استراحة تكتيكية؟
رغم الطابع الإيجابي الظاهري لهذه الخطوة، فإن طبيعتها المحدودة زمنياً وموضوعياً تجعل من الصعب اعتبارها بداية مسار تهدئة حقيقي. فلا توجد أي مؤشرات على اتفاق أوسع يشمل العمليات العسكرية الأخرى، ولا على استعداد متبادل للدخول في مفاوضات سياسية جدية.
الأقرب إلى الواقع أن ما يجري هو استراحة تكتيكية قصيرة، تمليها ظروف الطقس القاسية والحسابات الإعلامية والسياسية، أكثر مما تمليها رغبة حقيقية في تغيير مسار الحرب.
بين خفض المخاطر وإدارة الصراع
في المحصلة، يكشف وقف استهداف منشآت الطاقة عن نمط جديد من إدارة الصراع، يقوم على خفض بعض مخاطره الإنسانية من دون الاقتراب من جذوره السياسية والعسكرية.
فكييف تحاول استثمار المبادرة لتأكيد التزامها بالحلول الدبلوماسية وتعزيز دعم حلفائها، فيما تحافظ موسكو على هامش مناورة يسمح لها بالعودة سريعاً إلى سياسة الضغط متى رأت ذلك مناسباً.
وبين الطرفين، تتحرك واشنطن كوسيط ظرفي يركّز على إدارة الأزمات اليومية وتداعياتها الإنسانية، لا على بلورة تسوية شاملة. وهو ما يجعل هذا التفاهم المحدود أقرب إلى تهدئة مؤقتة في ملف حساس، منه إلى خطوة فعلية على طريق إنهاء الحرب.







