تميل قراءات الشرق الأوسط في الغالب إلى التشاؤم، ليس لأن الخبراء يحبّذون السوداوية، بل لأن التجربة أثبتت أن المنطقة كثيراً ما تكذّب الآمال وتكرّس الهواجس. ورغم ذلك، برزت خلال العامين الماضيين إشارات بدت — في ظاهرها — مشجّعة: هدنة هشة في غزة، تجنّب مواجهة إقليمية واسعة بعد الضربات المتبادلة مع إيران، وعدم انزلاق سوريا إلى حرب طائفية شاملة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي هذه المؤشرات لبناء توقع متفائل… أم أنها مجرد استراحة قصيرة في مسار مأزوم؟
حين يبدو “أفضل سيناريو” أقرب إلى الخيال السياسي
يطرح المتفائلون سردية تقوم على فرضية أن الهدوء في غزة قد يتحول إلى نقطة انعطاف: التزام أمريكي بخطة سلام، مساهمة عربية في قوة استقرار، نزع سلاح الفصائل مقابل إعادة إعمار تموّله دول الخليج، وإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية يتولاها جيل جديد من القيادة.
وفق هذا المنظور، تتجه إسرائيل نحو حكومة معتدلة تتجاوز إرث حكومة اليمين المتشدد، وتوقّع تفاهمات مع سوريا ولبنان، بينما تُفتح نافذة تطبيع مع السعودية. في المقابل، يدخل النظام الإيراني مرحلة إصلاحية — طوعية أو مصلحية — تقود إلى تخفيف القيود السياسية وتجميد البرنامج النووي مقابل تطبيع مع الغرب.
هذا السيناريو يبدو أنيقاً من حيث المنطق السياسي، لكنه يصطدم بحقائق القوى المتصارعة وموازينها، وبسياق إقليمي لا يزال بعيداً عن التسويات العميقة.
“السيناريو الأسوأ” ليس مجرد افتراض
على الضفة الأخرى يقف المنظور المتشائم، وهو — للأسف — أقرب إلى منطق الصراع كما خبرته المنطقة. فالتأييد الشعبي لحل الدولتين يتراجع في إسرائيل وفلسطين معاً، بينما ترفض حماس نزع سلاحها وتستأنف العمل المسلح. في هذه الأجواء، تفشل فكرة القوة الدولية في غزة، وتعود العمليات العسكرية لتفرض واقعاً جديداً من النزوح والتوتر الحدودي.
ومع انشغال واشنطن، تتوسع المواجهة إلى إيران ودول الخليج، وتتصدّع اتفاقيات أبراهام، فيما تتجه السياسة الإسرائيلية نحو مزيد من التشدد الداخلي والتصعيد في الضفة الغربية. عند هذه النقطة، يصبح الحديث عن مسار سلام إقليمي أقرب إلى ترفٍ ذهني منه إلى احتمال واقعي.
الواقع بين الحدّين: لا انتصار للتفاؤل… ولا حسم للتشاؤم
الأرجح أن المنطقة ستتحرك — كما اعتادت — في المساحة الرمادية بين الطرفين: لا سلام شامل ولا انهيار كامل. هدنة بلا إعمار، سلطة شكلية في غزة، اشتباكات متقطعة بدل حرب مفتوحة، وجمود سياسي في إسرائيل لا يسمح بالتقدم ولا يتيح التغيير.
بالمقابل، لا يحسم الملف الإيراني، ولا تُبنى شراكات إقليمية مستقرة، وتظل الحسابات الأمنية هي اللغة الغالبة. إنه وضع “اللا حلّ” الذي يطيل عمر الصراع دون أن يجرّه إلى نقطة الحسم.
أملٌ حذر… لا تفاؤل مجاني
ليس المطلوب إعلان الهزيمة أمام التشاؤم، ولا الانجرار إلى رومانسية سياسية. ما تحتاجه المنطقة اليوم هو أمل واقعي يدرك أن السلام ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل معادلة قوة وإرادة ومؤسسات، وأن أي مسار تفاوضي بلا شرعية شعبية ولا ضمانات عملية سيظل هشّاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
وكما قال محمود درويش: “لا تنسوا من يريدون السلام” — لكن السلام، كما وصفه يهودا عميحاي، لن يأتي إلا إذا وُجدت بيئة تسمح له بأن “ينبت مثل الأزهار البرية”… لا كشعار، بل كتحول حقيقي في بنية الصراع.




