في تطور لافت للأزمة المتصاعدة في الجنوب السوري، أعلنت الحكومة السورية، اليوم الأحد، وقف القتال في مدينة السويداء، بعد أسبوع دامٍ شهد مواجهات عنيفة بين مقاتلين دروز وعناصر من البدو العرب، خلّفت نحو 940 قتيلاً، وفقاً لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان.
جاء الإعلان الرسمي عن التهدئة عبر المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، الذي أكد في بيان على منصة “تلغرام” أنه “تم إخلاء مدينة السويداء من مقاتلي العشائر كافة، وإيقاف الاشتباكات داخل أحياء المدينة”، وسط ترحيب حذر من أهالي المدينة الذين يخشون من تجدد العنف في أية لحظة.
قتال طائفي.. وهدنة متأخرة
بدأت المواجهات في 13 يوليو (تموز) بعد تصاعد التوترات بين الدروز – الذين يشكلون غالبية سكان السويداء – وبين جماعات مسلحة من البدو العرب من الطائفة السنية. وسرعان ما تحوّل النزاع إلى اقتتال طائفي واسع النطاق، استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة وقُصفت الأحياء السكنية.
وشهدت المدينة اشتباكات ضارية في عدد من القرى والبلدات المحيطة، قبل أن تتدخل قوات تابعة للجماعات الدرزية المسلحة وتسيطر على معظم أنحاء المدينة، ما دفع بالقوات الحكومية إلى إعادة الانتشار خارج المدينة مؤقتاً، بحسب ما أكد شهود عيان ومصادر أمنية محلية.
الرئاسة الانتقالية تتحرك: وعود بالحماية والمحاسبة
في محاولة لاحتواء التصعيد، أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، أمس السبت، وقفاً لإطلاق النار، متعهداً بـ”حماية الأقليات” في البلاد، وخاصة في مناطق التوتر الطائفي، كما شدد على “محاسبة المنتهكين من أي طرف”، بحسب ما نقلته “وكالة الصحافة الفرنسية”.
وأكد الشرع أن الحكومة بدأت نشر قوات الأمن في السويداء مجدداً، بهدف تثبيت الهدنة وفرض الاستقرار، وسط حالة من الترقب الشعبي الحذر.
واشنطن تدخل على الخط.. وإسرائيل تتحرك عسكرياً
اللافت في تطورات الأحداث كان دخول إسرائيل على خط الأزمة، حيث قصفت أهدافاً حكومية في العاصمة دمشق يوم الثلاثاء الماضي، معلنة أن تدخلها جاء “لحماية الدروز” ومنع أي تهديد محتمل قرب حدودها، وهو ما دفع الحكومة السورية إلى سحب قواتها مؤقتاً من السويداء.
كما أبدت الولايات المتحدة قلقها من الانفلات الأمني في الجنوب، حيث أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على منصة “إكس” أن بلاده “تدعو السلطات السورية إلى محاسبة أي شخص ارتكب فظائع، سواء من طرفها أو من الجماعات المسلحة”.
الطريق إلى السلام.. أم الهدوء الذي يسبق العاصفة؟
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال المخاوف قائمة من عودة القتال في أية لحظة، خاصة في ظل هشاشة التفاهمات بين الأطراف، ووجود توتر إقليمي كبير بفعل التدخلات الخارجية.
وحتى اللحظة، لم تُعلن أي جهة دولية أو أممية إشرافها على الهدنة، ما يجعلها عرضة للخرق بسهولة، بينما يطالب سكان المدينة بتدخل دولي لضمان سلامة المدنيين، ومحاسبة المتورطين في المجازر التي شهدتها السويداء خلال الأيام الماضية.
ورغم إعلان دمشق عن إعادة الاستقرار إلى السويداء، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الدولة على فرض الأمن بشكل دائم في محافظة تُمثّل مركز ثقل للطائفة الدرزية، وتشهد منذ أعوام توترات أمنية متكررة.
وفي ظل المعادلات الجديدة التي فرضتها إسرائيل وواشنطن، يبدو أن الجنوب السوري قد دخل مرحلة جديدة من التوازنات الدقيقة والهُدن المؤقتة، التي قد تتبدد سريعاً في حال غابت الضمانات الدولية.







