قبل أيام من اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ على هامش قمة «آسيان» في كوريا الجنوبية، تسود أجواء دبلوماسية جديدة توحي بأن الطرفين يسعيان إلى خفض منسوب التوتر وإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم بعد سنوات من التصعيد والتجاذب الحاد.
المحادثات الهاتفية الأخيرة بين وزيري الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره الصيني وانغ يي كانت بمثابة إشارة مبكرة إلى رغبة متبادلة في التهدئة، حيث تحدث الجانبان بلغةٍ أقل حدة، وركّزا على أهمية «الاحترام المتبادل» و«اللقاء في منتصف الطريق» وهي عبارات اعتبرها مراقبون تحولًا لافتًا في نبرة التواصل الدبلوماسي بين واشنطن وبكين.
ورغم الخلافات الهيكلية العميقة التي تراكمت على مدار عقدٍ من الزمن، فإن هذا الانفراج النسبي قبل القمة أعاد الأمل إلى الأسواق العالمية التي عكست فورًا هذه الأجواء الإيجابية بارتفاعات قوية في البورصات وانخفاض أسعار الذهب.
ترمب وشي.. علاقة معقدة تحكمها المصالح
العلاقة بين ترمب وشي جينبينغ ليست جديدة على المشهد الدولي، فقد سبق أن التقيا أكثر من مرة منذ عام 2017، في لقاءات اتسمت بالمفارقة: ودية في الشكل، لكنها مشحونة بالملفات الثقيلة في المضمون.
وخلال تلك السنوات، تبادل الطرفان الرسائل الصلبة عبر الرسوم الجمركية والعقوبات التقنية، إلى أن تحولت المواجهة التجارية إلى سباق نفوذ عالمي شمل التكنولوجيا والطاقة والفضاء وحتى النفوذ الإقليمي في آسيا.
لكن يبدو أن اللقاء الجديد يأتي في ظرفٍ مختلف. فترمب، الساعي لاستعادة التوازن في السياسة الخارجية الأميركية بعد سنوات من الانكفاء، يرى أن التفاهم مع بكين قد يمنحه ورقة قوة انتخابية وسياسية. أما شي، الذي يواجه تباطؤاً اقتصادياً داخلياً وضغوطاً مالية متزايدة، فيسعى لإثبات أن الصين قادرة على إدارة علاقاتها الدولية بعقلانية بعيدًا عن الصدام.
لغة بكين الجديدة
في البيان الذي أعقب الاتصال بين وانغ يي وروبيو، أكدت الخارجية الصينية أن الرئيسين تربطهما “علاقات طويلة الأمد” وأن “الاحترام المتبادل هو أثمن رصيد استراتيجي” بين البلدين.
تلك اللغة التصالحية لم تأتِ من فراغ، إذ تشير إلى رغبة بكين في تحييد الخطاب العدائي الذي ساد في عهد إدارة ترمب السابقة، واستبداله بخطاب يركّز على «التعاون البراغماتي» القائم على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
ويرى محللون أن بكين تعي جيدًا أن الانفجار الاقتصادي الذي حققته الصين في العقدين الماضيين لا يمكن أن يستمر دون قدرٍ من الاستقرار في علاقتها مع واشنطن، خصوصاً في ظل القيود الأميركية المفروضة على التكنولوجيا الصينية ومكونات الرقائق الإلكترونية.
واشنطن بين الحذر والانفتاح
على الجانب الأميركي، تبدو الإدارة الحالية أكثر حذرًا في التعامل مع إشارات بكين، فبينما يرحّب البيت الأبيض بأي مبادرة تهدئة، يصرّ على أن ذلك لا يعني تراجع واشنطن عن مواقفها في قضايا تعتبرها “جوهرية”، مثل حماية الملكية الفكرية، والوجود العسكري في بحر الصين الجنوبي، ودعم تايوان.
مصادر في الخارجية الأميركية وصفت الاتصال بين روبيو ووانغ بأنه “خطوة في الاتجاه الصحيح”، لكنها أكدت أن الحكم الحقيقي سيكون في ما بعد القمة، حين يتضح ما إذا كانت التصريحات ستترجم إلى اتفاقات عملية أو ستبقى في إطار المجاملات الدبلوماسية.
ملف التجارة… اختبار النوايا
من أكثر الملفات حساسية بين واشنطن وبكين يظل ملف التجارة والتعرفة الجمركية. فالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت خلال إدارة ترمب السابقة تركت جروحًا عميقة في سلاسل الإمداد العالمية، وأثّرت سلبًا على الأسواق الأميركية والصينية على حد سواء.
التقارير الأولية تشير إلى أن القمة المقبلة قد تشهد نقاشاً أولياً لإعادة العمل بـ”اتفاق المرحلة الأولى” الذي جُمّد بعد توتر العلاقات، مع تعديل بعض البنود المتعلقة بالتجارة الزراعية والتكنولوجيا، وإذا تحقق ذلك، فقد يُنظر إليه كأول اختراق حقيقي منذ سنوات.
الأسواق تلتقط الإشارة
الأسواق العالمية كانت الأسرع استجابة للأجواء الجديدة. إذ ارتفعت مؤشرات البورصات الأميركية والآسيوية إلى مستويات قياسية، بينما تراجع سعر الذهب إلى ما دون 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ شهور، في دلالة على انحسار الإقبال على الملاذات الآمنة.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذا التحسن يعكس رهانات المستثمرين على أن القمة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً في العلاقات التجارية العالمية.
يقول الدكتور جوناثان ميلر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا، إن ما يجري “ليس تقارباً حقيقياً بقدر ما هو إدارةٌ ذكية للتناقضات”، فكل طرف يدرك أن الصدام المفتوح مكلف للغاية، لذلك يسعيان لتثبيت خطوط حمراء جديدة تضمن استمرارية المنافسة دون انزلاق نحو المواجهة.
ويضيف “ميلر” أن “لغة الاحترام المتبادل” التي استخدمتها الصين ليست تنازلاً، بل تكتيكاً محسوباً يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها الاقتصادية في ظل تباطؤ النمو المحلي.
تأثير السياسة على الاقتصاد
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي تشانغ لينغ أن الأسواق تتفاعل أكثر مع الرموز السياسية مما مع التفاصيل التقنية، فبمجرد أن يخرج تصريح إيجابي من بكين أو واشنطن، تبدأ البورصات بالارتفاع لأنها تقرأ ذلك كمؤشر على انحسار التوتر.
ويقول لينغ: “المستثمرون اليوم لا يراهنون على حل دائم، بل على هدنة طويلة تكفي لتحريك التجارة الدولية وتخفيف الضغط على سلاسل الإمداد”.
تايوان الحاضر الغائب
أما الخبير في الشؤون الآسيوية ريتشارد هوانغ فيرى أن قمة ترمب وشي “لن تكون بعيدة عن ملف تايوان”، فحتى لو لم يُذكر الملف بشكل مباشر، فإن كل تفاهم اقتصادي أو سياسي بين الجانبين لا بد أن يأخذ في الحسبان التوازن الحساس في مضيق تايوان.
ويضيف “هوانغ” أن إدارة ترمب قد تسعى لاستغلال القمة لتمرير رسالة مزدوجة: تهدئة اقتصادية من جهة، وتشديد استراتيجي من جهة أخرى، في إشارة إلى أن واشنطن لن تتراجع عن حماية حلفائها في آسيا.
دبلوماسية ما بعد التصعيد
المراقبون يعتقدون أن القمة المقبلة قد تمثل بداية لما يُعرف في العلاقات الدولية بـ«الدبلوماسية ما بعد التصعيد»، أي الانتقال من المواجهة المفتوحة إلى التفاهم التكتيكي.
ويؤكد هؤلاء أن واشنطن وبكين لا تستطيعان تحمل كلفة حرب تجارية جديدة، خاصة في ظل تراجع النمو العالمي وتصاعد الأزمات الإقليمية.
ترمب يواجه بدوره انتقادات داخلية حادة حول سياسته الخارجية، واتهامات بالتقلب في إدارة الملفات الدولية، أما شي فيواجه تحديات اقتصادية داخلية مرتبطة بقطاع العقارات وضعف الطلب المحلي، ما يجعله بحاجة إلى استقرار خارجي لطمأنة المستثمرين.
التحليلات تشير إلى أن الهدف غير المعلن من القمة هو الانتقال من منطق “كسر المنافسة” إلى منطق “إدارة التنافس”، فواشنطن تدرك أن إقصاء الصين عن النظام الاقتصادي العالمي لم يعد ممكنًا، وبكين تدرك أن تحدي الولايات المتحدة بشكل مباشر يحمل مخاطر غير محسوبة.
رسائل ما قبل القمة
رسائل التهدئة المتبادلة قبل اللقاء تحمل أكثر من معنى: فهي تهيئة للرأي العام، وإشارة للأسواق، وإطار تفاوضي مرن يمكن البناء عليه في ملفات معقدة مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
وتتابع العواصم الأوروبية والآسيوية هذه التحركات عن كثب، إذ إن أي تقارب أميركي – صيني ينعكس مباشرة على موازين القوى التجارية والاستثمارية العالمية، فالاتحاد الأوروبي، مثلاً، يفضّل أن يرى استقراراً بين الجانبين لأنه المستفيد الأكبر من بيئة تجارية أكثر هدوءاً.







