خرج أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بإشارة سياسية لافتة، كاشفاً عن تقدّم في مسار بلورة إطار تفاوضي محتمل بين طهران وواشنطن، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية باستخدام القوة، وتتسع رقعة الحشد العسكري في محيط إيران.
إشارات تفاوض خلف الضجيج الإعلامي
لاريجاني حاول، عبر منشور على منصة «إكس»، كسر الصورة السائدة عن انسداد كامل في قنوات التواصل مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن العمل على صياغة إطار للمفاوضات «يتقدم»، رغم ما وصفه بالأجواء الإعلامية المصطنعة التي تروّج لانعدام أي فرصة للحوار.
ورغم أن المسؤول الإيراني لم يقدّم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذا التقدّم أو مستواه، فإن مجرد الإعلان عنه في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن طهران لا تزال ترى في المسار الدبلوماسي خياراً قائماً، حتى في ظل التصعيد العسكري والضغوط الغربية المتزايدة.
موسكو في الخلفية… وترامب يلوّح بالاتفاق
تزامن حديث لاريجاني مع إعلان الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبله في موسكو، في خطوة أعادت تسليط الضوء على دور روسيا كقناة تواصل غير مباشرة بين إيران والغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.
وفي الاتجاه نفسه، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح بأن طهران تسعى إلى التوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي، وهو تصريح يعكس وجود قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن القيادة الإيرانية، رغم خطابها المتشدد، تبحث عن مخرج تفاوضي يخفف من حدة المواجهة.
هذا التوازي بين التصريحات الإيرانية والأميركية يوحي بأن ثمة حراكاً سياسياً هادئاً يجري خلف الكواليس، بعيداً عن المنابر العلنية، وأن لغة التهديد المتبادلة لا تلغي بالكامل وجود مسارات تواصل.
طهران تفصل بين التفاوض والردع
في مقابل الحديث عن تقدم محتمل في ملف المفاوضات، حرصت القيادة العسكرية الإيرانية على التشديد على ثوابت الردع وعدم القبول بأي ضغوط عسكرية.
فقد أكد قائد الجيش الإيراني، أمير حاتمي، أن الخبرات النووية الإيرانية «لا يمكن القضاء عليها»، في رسالة موجهة بشكل مباشر إلى واشنطن وحلفائها، مفادها أن أي ضربة عسكرية لن تنهي القدرات الاستراتيجية لإيران.
وأضاف أن أي خطأ ترتكبه الأطراف المعادية سيعرّض أمنها وأمن المنطقة برمتها للخطر، محذّراً أيضاً من تداعيات مباشرة على أمن إسرائيل. كما شدد على أن القوات المسلحة الإيرانية في أعلى مستويات الجاهزية الدفاعية والعسكرية.
الرسالة هنا واضحة: إيران تحاول أن تجمع بين خطاب الانفتاح السياسي وخطاب الردع الصلب، في معادلة تهدف إلى منع خصومها من استثمار الحديث عن التفاوض بوصفه مؤشراً على ضعف أو تراجع.
الحشد الأميركي… ضغط عسكري أم تمهيد لسيناريو أسوأ؟
بالتوازي مع هذا السجال السياسي والعسكري، عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط، عبر إرسال مجموعة ضاربة بحرية تتقدمها حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن».
ويأتي هذا الانتشار بعد تهديدات أطلقها ترامب بالتدخل العسكري، في سياق تطورات داخلية شهدتها إيران، عقب حملة قمع واسعة للاحتجاجات التي اندلعت على خلفيات معيشية، ثم سرعان ما تحولت إلى تحركات سياسية مناهضة للنظام.
هذا الربط بين التطورات الداخلية الإيرانية والتحرك العسكري الأميركي يعكس محاولة واضحة لاستثمار الضغط الداخلي في إيران كورقة سياسية وأمنية في الصراع مع طهران، وليس فقط التعامل مع الملف النووي بمعزل عن السياق العام.
مخاوف من انزلاق غير محسوب
الانتشار العسكري الأميركي الواسع في محيط إيران أثار في المقابل قلقاً متزايداً من احتمالات الاحتكاك المباشر، خصوصاً في ظل التحذيرات الإيرانية المتكررة من أن أي هجوم على أراضيها سيقابل برد صاروخي يستهدف القواعد الأميركية والسفن الحربية وحلفاء واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل.
هذه التهديدات المتبادلة تعكس حالة من الاستنفار القصوى على جانبي المواجهة، حيث بات أي حادث محدود أو سوء تقدير ميدانياً مرشحاً للتحول إلى أزمة أوسع.
رسائل متناقضة… ولكنها محسوبة
ما يلفت في الموقف الإيراني الراهن هو الجمع المتعمد بين خطابين متوازيين: خطاب سياسي يتحدث عن تقدم في إعداد إطار تفاوضي، وخطاب عسكري شديد اللهجة يؤكد الجاهزية للرد ويستبعد أي إمكانية لفرض وقائع بالقوة.
وفي المقابل، تتبع واشنطن المنهج ذاته تقريباً، عبر التلويح المستمر بالخيار العسكري، مع إبقاء الباب موارباً أمام اتفاق محتمل، خصوصاً في ملف البرنامج النووي.
هذا التوازن الدقيق بين التهديد والتفاوض يعكس واقعاً سياسياً معقداً، لا يريد فيه أي من الطرفين الذهاب إلى مواجهة شاملة، لكنه في الوقت ذاته لا يبدو مستعداً لتقديم تنازلات جوهرية تفتح الطريق أمام تسوية سريعة.
بين إشارات الحوار واحتمالات التصعيد
في المحصلة، يكشف حديث لاريجاني عن «تقدم» في بلورة إطار تفاوضي أن مسار الحوار لم يمت، لكنه لا يزال هشاً ومحصوراً في قنوات ضيقة وغير معلنة. وفي المقابل، يعكس تصاعد الحشد العسكري الأميركي واستنفار القوات الإيرانية أن ميزان الردع لا يزال هو الإطار الحاكم للعلاقة بين الطرفين.
وبين هذين المسارين، يتحرك الملف الإيراني اليوم على حافة مزدوجة: حافة تفاوض بطيء ومحدود، وحافة تصعيد عسكري قد تفرضه تطورات ميدانية أو قرارات سياسية مفاجئة، في منطقة لا تحتمل كثيراً من الأخطاء.







