صعدت ميليشيات الحوثي من اعتداءاتها على المنظمات الأممية في صنعاء، حيث أقدمت على اقتحام مقرات تابعة للأمم المتحدة، واعتقلت عدداً من موظفيها، بينهم عاملون في برنامج الغذاء العالمي، وفرضت الإقامة الجبرية على آخرين.
يأتي هذا التصعيد في وقت لا يزال العشرات من موظفي المنظمات الدولية والمحلية رهن الاعتقال منذ سنوات، في سجون الجماعة التي اتُّهمت بممارسة الإخفاء القسري والتعذيب بحقهم.
الحكومة اليمنية: «حملة مسعورة» تستهدف العمل الإنساني
وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، وصف ما حدث بأنه «حملة مسعورة» ضد موظفي الأمم المتحدة. وأكد أن الاعتداءات شملت أيضاً عناصر الحراسة في منظمة «يونيسف»، إضافة إلى اعتقالات في محافظة الحديدة لم يُكشف عن تفاصيلها بعد.
الإرياني جدّد الدعوة إلى نقل مقرات المنظمات الدولية إلى العاصمة المؤقتة عدن، حيث تتوافر بيئة أكثر أماناً بعيداً عن «ابتزاز وضغوط الحوثيين»، داعياً المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل يضمن سلامة العاملين في المجال الإنساني.
228 حالة اختطاف في عام واحد
في تقريرها الأخير، رصدت الهيئة اليمنية الوطنية للأسرى والمختطفين 228 حالة اختطاف وإخفاء قسري ارتكبتها الجماعة بين يونيو (حزيران) 2024 وأغسطس (آب) 2025.
وأكدت الهيئة أن بعض الضحايا أُجبروا على تسجيل اعترافات تحت التعذيب وبُثّت عبر وسائل الإعلام الحوثية، في إطار سياسة تهدف إلى بث الرعب وتدمير النسيج الاجتماعي. كما شددت على أن هذه الانتهاكات المستمرة تعكس سياسة ممنهجة اعتمدتها الجماعة منذ انقلابها عام 2014.
2600 ضحية للإخفاء القسري منذ 2018
تقرير آخر صادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات كشف عن توثيق 2678 جريمة إخفاء قسري ارتكبها الحوثيون خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2018 وحتى أبريل (نيسان) 2025.
وبحسب التقرير، تعرض أكثر من 1900 مختطف للتعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسؤولون سياسيون. كما تم رصد 476 حالة وفاة نتيجة التعذيب أو الإهمال الصحي داخل السجون.
أشار التقرير كذلك إلى أن الحوثيين يديرون ما يزيد على 640 سجناً في مناطق سيطرتهم، بينها 273 سجناً سرياً، تُستخدم لاحتجاز الآلاف بتهم وذرائع «كيدية».
تنديد دولي مرتقب ودعوات للمحاسبة
منظمات حقوقية حذّرت من أن استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة يشكل تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي ويعرقل أي جهود لإحلال السلام. ودعت مجلس الأمن إلى إلزام الحوثيين بوقف الاعتقالات التعسفية والالتزام بالقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216.
كما طالبت بتحرك مجلس حقوق الإنسان لتوثيق الجرائم ودعم لجنة التحقيق الوطنية، بما يفضي إلى تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة الدولية.
هل تهدد الاقتحامات مستقبل المساعدات؟
يطرح التصعيد الحوثي الأخير سؤالاً محورياً حول مستقبل العمل الأممي في اليمن، إذ تخشى أوساط دبلوماسية أن تدفع هذه الاعتداءات الأمم المتحدة إلى تقليص وجودها في مناطق سيطرة الحوثيين، الأمر الذي سينعكس مباشرة على ملايين المحتاجين للمساعدات الغذائية والصحية.
المصادر الحكومية حذّرت من أن أي انسحاب أو تجميد لعمل المنظمات الدولية قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في المحافظات الأكثر تضرراً من الحرب، مثل صعدة والحديدة وحجة، حيث يعتمد السكان بشكل شبه كامل على الدعم الخارجي.
خبراء في الشأن اليمني يرون أن استمرار الاعتداءات يضع المنظمات الدولية أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما البقاء تحت ضغوط وابتزاز الحوثيين، أو تقليص أنشطتها في مناطق سيطرتهم، وهو ما سيؤدي إلى تفريغ الساحة الإنسانية من أهم الفاعلين الدوليين.
وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات الموجهة إلى الأمم المتحدة لاتخاذ قرار حاسم بشأن نقل مقراتها من صنعاء إلى عدن، باعتبار الأخيرة أكثر أماناً وحياداً، وبما يضمن استمرار تقديم المساعدات بعيداً عن هيمنة الجماعة.
إلى جانب ذلك، يشدد مراقبون على أن المجتمع الدولي بات مطالباً بربط استمرار تدفق المساعدات الإنسانية بمدى التزام الحوثيين بالقوانين الدولية، وتوفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإغاثي، بدلاً من تركهم عرضة للاعتقال والابتزاز.
التصعيد يعكس ارتباك الجماعة
يرى مراقبون أن تزامن حملة الاعتقالات مع مقتل رئيس حكومة الحوثيين وعدد من وزرائه بضربة إسرائيلية يكشف عن حالة ارتباك داخل صفوف الجماعة.
ويؤكد هؤلاء أن استهداف موظفي الأمم المتحدة يفاقم المخاطر أمام العمل الإنساني في اليمن، ويزيد من عزلة الحوثيين على المستويين السياسي والحقوقي، في وقت يحتاج فيه ملايين اليمنيين إلى استمرار تدفق المساعدات الإغاثية بعيداً عن أي ابتزاز أو تهديد.






