بعد عامين من الحرب الدامية التي أنهكت غزة وأغرقتها في دمارٍ غير مسبوق، بدأ يوم الجمعة الماضي وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، ليضع حدًّا مبدئيًّا لجولة من أعنف المواجهات في تاريخ الصراع، ومنذ الساعات الأولى للهدنة، ساد القطاع شعور مزدوج: فرحٌ حذر، وألمٌ متجذّر في ذاكرة مليئة بالخراب.
العودة إلى الشمال.. خطوات فوق الرماد
مع بزوغ فجر السبت، تدفقت حشود الفلسطينيين سيرًا على الأقدام نحو مدينة غزة، بعد إعلان الهدنة بساعات، عادوا ليكتشفوا ما تبقى من حياتهم، محمّلين بحقائب، وأملٍ هشّ، فبين الركام والأبنية المنهارة، كانت الدموع تختلط بتراب المدينة التي تغيّرت ملامحها تمامًا.
وعن حجم الدمار، تقول أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، بعد زيارتها الميدانية لغزة: “حجم الدمار مذهل. آلاف العائدين يجدون أنقاضًا في المكان الذي كانت فيه بيوتهم. إنهم يعيشون صدمة بين الفقد والأمل”، وأكدت أن مشهد المدينة يعكس مأساة إنسانية هائلة، فالشوارع مغطاة بالأنقاض، والمنازل تحوّلت إلى هياكل رمادية خالية من الحياة.
قمة شرم الشيخ.. دعم دولي لخطة السلام
لكن تأتي الهدنة كمرحلة أولى ضمن خطة سلام من 20 بندًا قدّمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سبتمبر الماضي، وتسعى لإنهاء الحرب عبر ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية، ومن المقرر عقد قمة دعم الاتفاق في شرم الشيخ برئاسة ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
ومن المقرر أيضًا أن يزور ترامب البرلمان الإسرائيلي في القدس، في خطوة رمزية تشير إلى رغبته في ترسيخ الهدنة وتحريك العملية السياسية بين الجانبين.
أما في القطاع المحاصر، فامتزجت فرحة توقف القصف بالأسى على حجم الدمار، فقالت منال مفتاح، 33 عامًا، وهي من سكان غزة: “عدنا إلى مدينتنا لكنها لم تعد كما كانت، فقدنا كل شيء، كنت خبازة قبل الحرب، وأحلم أن أفتح مخبزي من جديد إن استمر السلام”، لكنها تابعت بحزن: “ربما أحفادنا فقط من سيرون غزة كما كانت… مدينة الحياة قبل الحرب.”
ضحايا تحت الأنقاض.. مساع لانتشال الجثث
وبحسب محمود بصال، المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، تم انتشال 63 جثة من شوارع المدينة منذ بدء وقف إطلاق النار، فيما يُعتقد أن العشرات ما زالوا تحت الركام. المشهد في الشمال مأساوي، والناجون يكافحون للعثور على أقاربهم بين الأنقاض.
بينما أوضح الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الشفاء، أن النظام الصحي في غزة يواجه “نقصًا حادًا” في الأدوية والمستلزمات الطبية، مضيفًا: “أنهينا حربًا عسكرية، لكننا بدأنا حربًا إنسانية للبقاء. المستشفيات شبه منهارة، والأطباء يعملون بأقل الإمكانيات.”
ويؤكد أن سكان غزة يعيشون اليوم على حافة الجوع، وسط دمار شامل ونزوح متكرر. فخلال عامين من الحرب، نزح أكثر من مليوني شخص مرات عدة، وتراجعت إمدادات الغذاء والدواء إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد.
اتفاق إدخال المساعدات.. 170 ألف طن
ويأمل سكان غزة في تنفيذ الاتفاق الأخير بين إسرائيل وحماس السماح بدخول كميات ضخمة من المساعدات الإنسانية عبر الأمم المتحدة، فمن المقرر أن تُفتح معابر غزة ورفح لنقل أكثر من 170 ألف طن من الغذاء والدواء، ما قد يخفف جزئيًا من الكارثة الإنسانية القائمة.
كما يعولون على انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية، إذ ينص الاتفاق على انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية إلى خطوط جديدة داخل القطاع، كجزء من التفاهمات الأولية، تمهيدًا لمفاوضات أوسع حول إعادة الإعمار وتبادل الأسرى.
ورغم الزخم الدبلوماسي، لا تزال القضايا الجوهرية دون حل، وأبرزها مسألة نزع سلاح حركة حماس، التي تمثل أحد أعقد البنود في خطة ترامب، خاصة بعد أن قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن هناك توافقًا على معظم بنود الخطة، مؤكدًا أن عملية إطلاق سراح الرهائن ستبدأ قريبًا، وأن “الأطراف تعمل الآن على الأرض لاستكمال الترتيبات”.
وعقب ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أن رئيس أركانه اصطحب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر ترامب ومستشاره السابق جاريد كوشنر في جولة ميدانية داخل غزة، في رسالة دعم للمسار السياسي الجديد.
العائدون بلا مأوى.. عائلات بأكملها
وعلى وقع هذا، وعلى طول الطريق الساحلي بين الجنوب والشمال، تسير عائلات بأكملها تحمل متاعها على ظهورها، فتقول ميسون وادي، 36 عامًا، وهي تجلس وسط الركام: “اليوم لا أشعر بشيء… لا حزن ولا فرح. كل شيء انتهى، ما أراه أسوأ مما تركناه. ليس لدينا بيت… فقط قطعة قماش سنربطها بأي جدار ونعيش تحتها.”
ويسأل الناس أنفسهم: من أين نبدأ؟ لا ماء ولا كهرباء ولا مأوى. الأطفال مرهقون من النزوح، والنساء يحملن أكياسًا فيها ما تبقى من حياة. المشهد أقرب إلى رحلة عودة من زمنٍ آخر، لا يحمل إلا البقاء كهدف وحيد.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه الأنظار الآن إلى قمة شرم الشيخ، باعتبارها لحظة فاصلة لاختبار جدية الأطراف في ترجمة الهدنة إلى سلامٍ مستدام، فالمجتمع الدولي مدعو لإثبات أنه قادر على تحويل “وقف النار” إلى “بدء الإعمار”.
الهدنة اختبارٌ للنوايا.. والفرصة الأخيرة
وتعقيبا على ذلك، يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور عاطف نجم، إن الهدنة الحالية “أشبه بفرصة أخيرة أمام الأطراف الدولية والإقليمية لإثبات أن الحلول السياسية ممكنة بعد سنوات من الدم”، ويضيف أن اتفاق شرم الشيخ المرتقب لن يكون مجرد مناسبة دبلوماسية، بل اختبار حقيقي للنوايا الأميركية والإسرائيلية في المضي قدمًا نحو تسوية طويلة الأمد.
ويرى “نجم” أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة حماس على قبول الشروط الأمنية دون فقدان نفوذها الداخلي، بينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها الميدانية دون الظهور بمظهر المتنازل، ويتابع موضحًا أن “الولايات المتحدة تراهن على تحويل الهدنة إلى اتفاق إطار شبيه باتفاق أوسلو جديد، لكن الفارق أن الواقع الميداني اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.”
ويختم تحليله قائلًا: “أي نجاح دبلوماسي سيظل هشًّا ما لم تتوافر ضمانات أمنية وسياسية واضحة، وضغط دولي يضمن التزام الطرفين ببنود الاتفاق.”
إعادة الإعمار بين الأمل والتحدي
فيما يؤكد الخبير الاقتصادي الفلسطيني د. خالد الشوا أن عملية إعادة إعمار غزة ستكون “الاختبار الأكثر كلفة وتعقيدًا في تاريخ المنطقة”، ويقول إن حجم الدمار “يتجاوز 50 مليار دولار وفق تقديرات أولية، ويشمل البنية التحتية، المساكن، والمصانع الصغيرة التي كانت تمثل شريان الاقتصاد المحلي.”
ويضيف “الشوا” أن القطاع بحاجة إلى خطة تمويل دولية متعددة الأطراف تشمل مؤسسات كالبنك الدولي وصناديق عربية، مع رقابة صارمة تضمن توجيه الأموال إلى مشاريع إنتاجية لا إلى تعويضات مؤقتة، ويرى أن مشاركة مصر وقطر والأمم المتحدة ضرورية لتأمين الإشراف على مراحل الإعمار وضمان الشفافية.
ويشير إلى أن وقف إطلاق النار “لن يتحول إلى سلام اقتصادي إلا إذا رافقته سياسات فتح الأسواق، وإعادة الحركة التجارية عبر المعابر، وخلق فرص عمل للنازحين”، ويحذر من أن تأخير إعادة الإعمار سيعيد دوامة الغضب واليأس، مؤكدًا أن “الاقتصاد هو المحرك الحقيقي للاستقرار في غزة والمنطقة.”
غزة بين البقاء والكرامة.. متى يبدأ السلام؟
أما الناشطة والخبيرة في الإغاثة الإنسانية د. ليلى حمود، فتقول إن الأزمة في غزة تجاوزت مرحلة الكارثة لتصبح “حالة إنسانية مزمنة”، وتوضح أن نحو 80% من السكان يعيشون حاليًا تحت خط الفقر، وأن جيلًا كاملًا من الأطفال يكبر في بيئة من الخوف والحرمان.
وترى “حمود” أن عودة المدنيين إلى الشمال “تمثل لحظة رمزية أكثر منها واقعية”، لأن أغلبهم يعودون إلى أنقاض بلا بنية تحتية ولا خدمات.
وتضيف: “العائلات لا تبحث عن بيوت فقط، بل عن كرامة مفقودة. كل أمّ تحمل بيدها طفلًا وبالأخرى قطعة قماش لتصنع مأوى، تختصر حكاية شعبٍ يعيش على الأمل”، وتحذر من أن عدم التدخل السريع من المنظمات الدولية لإعادة تأهيل الخدمات الصحية والتعليمية قد يؤدي إلى “كارثة جيلية” في غضون سنوات قليلة.
وتختم بقولها: “السلام الحقيقي يبدأ حين يشعر الناس بالأمان في بيوتهم، لا حين يتوقف القصف فقط.”






