شهدت العاصمة المصرية القاهرة، أمس الإثنين 15 سبتمبر 2025، زيارة رسمية لرئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، الفريق أول ركن خالد حفتر، حيث التقى نظيره المصري الفريق أحمد فتحي خليفة.
الزيارة جاءت في إطار التنسيق المستمر بين البلدين، بهدف دعم التعاون العسكري وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة.
امتداد لسلسلة لقاءات سياسية وعسكرية
هذه الزيارة ليست منفصلة عن السياق العام للعلاقات الثنائية، فقد سبقتها لقاءات رفيعة المستوى بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعدد من القادة الليبيين، من بينهم المستشار عقيلة صالح والمشير خليفة حفتر بمدينة العلمين.
وتأتي التحركات المصرية في إطار تأكيدها على دعم الحل السياسي في ليبيا، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.
وتستهدف الزيارة تعزيز التعاون العسكري والأمني من خلال تبادل الخبرات وتطوير آليات مشتركة لتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود عبر استخدام التكنولوجيا الحديثة في المراقبة والتأمين، ودعم المسار السياسي الليبي، حيث شددت مصر على ضرورة التوافق بين القوى الليبية لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
رسائل سياسية واضحة
وتستهدف هذه الزيارة توجيه عدة رسائل، منها دعم القيادة العسكرية الليبية: الترحيب المصري بترقية حفتر يعكس اعترافًا بدوره في تعزيز المؤسسة العسكرية الليبية، والتأكيد على وحدة ليبيا: مصر تركز على أهمية استعادة الدولة لسيادتها على كامل الأراضي الليبية.
تحديات أمام التنسيق المصري الليبي
رغم ما تحمله الزيارة من رسائل إيجابية، فإن طريق التنسيق لا يخلو من العقبات كالانقسام الداخلي بين الشرق والغرب، واستمرار نفوذ المليشيات المسلحة، وملف تأمين الحدود الطويلة والمعقدة، بما يحمله من تحديات أمنية ولوجستية.
يرى اللواء المتقاعد حسن عبد الرحمن أن أحد أهم دوافع القاهرة وراء هذا التنسيق هو تأمين الحدود الغربية الممتدة لمسافة تتجاوز ألف كيلومتر، مضيفًا أن “ليبيا تمثل خاصرة أمنية لمصر، وأي خلل هناك ينعكس مباشرة على الداخل المصري”. وأكد أن تبادل الخبرات العسكرية خطوة استراتيجية لحماية الأمن القومي.
رسالة إقليمية لمنافسين خارجيين
أوضح الخبير في الشؤون الاستراتيجية د. عماد الفيتوري أن الزيارة تحمل رسالة واضحة للقوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الشأن الليبي، خصوصًا تركيا وروسيا، بأن مصر لن تترك الساحة خالية.
وأضاف أن القاهرة تسعى لإعادة التوازن في ليبيا عبر شراكة مباشرة مع المؤسسة العسكرية الليبية.
يؤكد المحلل السياسي د. محمود الشافعي أن القاهرة تعوّل على الانتخابات كخيار عملي لإنهاء الأزمة. وقال: “مصر تدرك أن استمرار الانقسام يعرقل الاستقرار، ومن هنا تأتي دعوتها المتكررة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة كخيار يضمن توحيد المؤسسات”.
أشار الباحث في العلاقات الدولية أ. خالد بن عمران إلى أن التحرك المصري يجمع بين المسارين الأمني والسياسي، إذ ترى القاهرة أن “الحل العسكري وحده لا يكفي، ولا بد من غطاء سياسي ودستوري يضمن استدامة الاستقرار”. وأضاف أن ذلك يعزز صورة مصر كوسيط مقبول داخليًا وخارجيًا.
الاستقرار بوابة للإعمار والاستثمار
من جانبه، شدد الخبير الاقتصادي الليبي سالم البرعصي على أن تعزيز التعاون الأمني والسياسي بين القاهرة وطرابلس يمهد الطريق لمرحلة إعادة الإعمار.
وقال: “ليبيا تحتاج إلى استقرار داخلي لجذب الاستثمارات وعودة الشركات، والدور المصري في هذا الملف قد يكون محوريًا بالنظر إلى خبرتها وصلاتها الإقليمية والدولية”
ووفقا لخبراء، فإن زيارة رئيس الأركان الليبي إلى القاهرة تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الليبية، إذ تحمل رسائل دعم سياسي وعسكري في آن واحد، وتعكس إرادة مشتركة لإعادة الاستقرار إلى ليبيا.
ورغم التحديات القائمة، فإن القاهرة تبدو عازمة على لعب دور رئيسي في تقريب الليبيين ودعم مؤسسات الدولة، بما يضمن أمن واستقرار المنطقة ككل.







