أعادت وزارة العدل الأمريكية، عبر دفعة جديدة ضخمة من الوثائق المتعلقة بملف جيفري إبستين، تسليط الضوء على شبكة العلاقات التي أحاطت بالممول الأمريكي المدان في قضايا اعتداءات جنسية قبل وفاته في السجن عام 2019.
اللافت في هذه الدفعة، التي نُشرت يوم الجمعة بموجب أمر من الكونغرس، ليس فقط حجمها الاستثنائي – نحو ثلاثة ملايين صفحة، وأكثر من 180 ألف صورة، ونحو ألفي مقطع فيديو – بل الأسماء التي تعود إلى الواجهة مجددًا، بوصفها جزءًا من محيط إبستين الاجتماعي والمهني خلال سنوات نشاطه.
الوثائق لا تتضمن اتهامات قضائية مباشرة بحق معظم هذه الشخصيات، لكنها تكشف نمطًا ثابتًا من التواصل، وترتيب اللقاءات، ومحاولات تنظيم الزيارات، بما يعيد طرح سؤال قديم في الرأي العام الأمريكي والغربي:
إلى أي حد كانت شبكة إبستين مجرد علاقات اجتماعية عادية، وإلى أي حد كانت بوابة نفوذ مغلقة تحكمها مصالح خفية؟
الأمير أندرو… الاسم الأثقل سياسيًا داخل الوثائق
يُعد اسم أندرو ماونتباتن-ويندسور، المعروف سابقًا بالأمير أندرو، الأكثر حساسية في هذه الدفعة الجديدة من الملفات.
فالوثائق تكشف، مرة أخرى، عن حجم التواصل بينه وبين جيفري إبستين، وتُظهر أن اسمه ورد مئات المرات في المراسلات والملفات الداخلية.
ومن بين ما أعيد نشره، صور للأمير وهو منحنٍ فوق امرأة مجهولة الهوية، إضافة إلى مراسلات تشير إلى دعوة إبستين لتناول العشاء في قصر باكنغهام، فضلًا عن عرض قدمه إبستين لتعريف الأمير على امرأة روسية تبلغ من العمر 26 عامًا.
خطورة هذه التفاصيل لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها التاريخي، إذ تعود إلى مرحلة كان فيها إبستين قد أصبح بالفعل شخصية مثيرة للجدل على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة.
في بريطانيا، لا يُنظر إلى هذه الوقائع باعتبارها ملفًا شخصيًا يخص أحد أفراد العائلة المالكة فحسب، بل باعتبارها أزمة سمعة تطال المؤسسة الملكية نفسها.
قضية فيرجينيا جوفري… الجرح المفتوح في ملف الأمير
الوثائق تعيد كذلك إلى الواجهة اتهامات الراحلة فيرجينيا روبرتس جوفري، التي قالت إنها تعرضت للاتجار من قبل إبستين وأُجبرت على ممارسة الجنس مع الأمير أندرو عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها.
وفي عام 2021 رفعت جوفري دعوى قضائية ضد الأمير أمام المحاكم الأمريكية، قبل أن تنتهي القضية بتسوية خارج المحكمة في مطلع عام 2022.
ورغم أن الأمير أندرو نفى مرارًا ارتكاب أي مخالفة، فإن التسوية المالية، إلى جانب تكرار ظهور اسمه في وثائق إبستين، جعلت قضيته نموذجًا مركزيًا لكيفية تداخل المال والنفوذ والسياسة مع ملفات الاستغلال الجنسي.
وفي أواخر العام الماضي، جرّد الملك تشارلز شقيقه من ألقابه الملكية، في خطوة عكست حجم العبء الذي بات يمثله هذا الملف على العائلة المالكة البريطانية.
إيلون ماسك… مراسلات ودّية بلا زيارة مؤكدة
بعيدًا عن السياق الملكي، تبرز في الوثائق مراسلات بين جيفري إبستين والملياردير الأمريكي إيلون ماسك خلال عامي 2012 و2013.
الرسائل تُظهر نقاشًا حول زيارة محتملة لجزيرة إبستين الخاصة في منطقة البحر الكاريبي، بل إن إحدى الرسائل المنسوبة لماسك تضمنت سؤالًا مباشرًا عن أكثر الليالي “صخبًا” على الجزيرة.
غير أن الوثائق نفسها لا تتضمن أي دليل يؤكد أن ماسك زار الجزيرة فعليًا.
ماسك من جهته دافع عن نفسه علنًا عبر منصة “إكس”، مؤكدًا أنه لم تكن لديه مراسلات كثيرة مع إبستين، وأنه رفض دعوات متكررة لزيارة الجزيرة أو السفر على متن طائرة إبستين الخاصة.
لكن إدراج اسمه في هذه المراسلات يعكس، مرة أخرى، مدى قدرة إبستين على الوصول إلى شخصيات في قمة هرم المال والتكنولوجيا حتى بعد بدء الجدل الواسع حوله.
دونالد ترامب… اسم حاضر واتهامات موصوفة بغير الموثوقة
الوثائق تشير إلى ورود اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات المرات في الملفات التي كُشف عنها حديثًا.
إلا أن الجزء الأكثر حساسية في هذا السياق يتمثل في وثيقة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي تتضمن بلاغات تلقاها المكتب من متصلين بمركز التهديدات الوطني، وردت فيها مزاعم بحق ترامب.
هذه البلاغات وُصفت في الوثائق نفسها بأنها غير مؤكدة، كما أشارت الملاحظات المرفقة إلى أن الجهات المختصة لم تتواصل في كثير من الحالات مع من قدموا هذه الادعاءات.
وزارة العدل الأمريكية أصدرت بيانًا رسميًا شددت فيه على أن بعض الوثائق تتضمن ادعاءات كاذبة ومثيرة للجدل ضد ترامب، قُدمت قبيل انتخابات عام 2020، مؤكدة أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة.
ترامب بدوره لطالما نفى ارتكاب أي مخالفات تتعلق بإبستين، وأكد أن علاقته به انتهت قبل سنوات طويلة من تفجر القضية.
سياسيًا، يكتسب هذا الجزء أهمية خاصة لأنه يعيد التذكير باستخدام ملف إبستين، في بعض مراحله، كسلاح في الصراع الانتخابي الأمريكي، لا كملف جنائي بحت.
أسماء أخرى من عالم السياسة والمال
الوثائق الجديدة تُظهر أيضًا أن هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، كان قد خطط لزيارة جزيرة إبستين عام 2012.
لوتنيك صرّح لصحيفة نيويورك تايمز بأنه لم يرَ أحدث دفعة من الملفات، مؤكّدًا أنه لم يقضِ أي وقت مع إبستين، وأن علاقته به كانت قد انقطعت منذ نحو عام 2005.
كما ورد اسم ستيف تيش، الشريك المؤسس لفريق نيويورك جاينتس لكرة القدم الأمريكية، في مراسلات تُظهر أن إبستين كان ينسّق له لقاءات مع نساء بالغات، بينها رسالة يعرض فيها عليه التعرف على امرأة روسية، ليسأله تيش في رد مقتضب: “هل هي ممتعة؟”.
تيش قال في بيان لاحق إن علاقته بإبستين كانت قصيرة ومحصورة في تبادل رسائل حول نساء بالغات وأعمال خيرية وأفلام واستثمارات، وإنه لم يزر جزيرته مطلقًا، معربًا عن ندمه على تلك العلاقة.
كذلك ورد اسم رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود، إذ أظهرت مفكرة إبستين موعدًا لاجتماع كان مقررًا بين الطرفين عام 2014. رود نفى حضوره هذا اللقاء ونفى بشدة زيارته لإبستين.
لماذا لا تعني كثرة الأسماء كثرة القضايا الجنائية؟
رغم الزخم الإعلامي الهائل الذي رافق نشر الوثائق، شدد نائب المدعي العام الأمريكي تود بلانش على أن كثرة الرسائل والصور والمراسلات لا تعني تلقائيًا وجود أساس قانوني لملاحقات جنائية جديدة.
وقال إن الملف يحتوي على كمّ كبير من الرسائل الإلكترونية والصور، بعضها “مروع”، لكن ذلك لا يكفي بالضرورة لبناء قضايا جنائية ضد أطراف أخرى.
هذا التوضيح يعكس الإشكالية القانونية الأساسية في ملف إبستين:
فالكثير من الوقائع تقع في المنطقة الرمادية بين السلوك الأخلاقي المثير للريبة، وبين الدليل الجنائي القابل للاستخدام أمام المحاكم.
تحذير من أن ما نُشر ليس سوى جزء صغير
سياسيًا، جاءت أبرز الإشارات التحذيرية من النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي قالت إن ما نُشر حتى الآن لا يمثل سوى جزء ضئيل من مجمل الوثائق المتعلقة بإبستين.
وأشارت إلى أن هذه الملفات هي فقط ما كانت الجهات الرسمية “مستعدة لنشره”، معتبرة أن وزارة العدل لا تزال تحتفظ بغالبية الوثائق.
هذا التصريح يعكس وجود ضغط سياسي متزايد داخل الكونغرس من أجل الإفراج الكامل عن ملفات القضية، ليس فقط بهدف كشف المتورطين المحتملين، بل أيضًا لاستعادة الثقة العامة في طريقة تعامل السلطات مع واحدة من أكثر القضايا الجنائية حساسية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
شبكة إبستين… من قضية جنائية إلى أزمة ثقة عامة
ما تكشفه هذه الوثائق، في جوهره، لا يقتصر على إعادة تدوير أسماء معروفة، بل يسلط الضوء على نمط نفوذ اجتماعي غير عادي بناه جيفري إبستين، مكّنه من الوصول إلى رؤساء دول، وأمراء، ووزراء، ورجال أعمال، وكبار المستثمرين.
ومع أن أغلب هذه الأسماء لا تواجه اتهامات قانونية مباشرة، فإن استمرار ظهورها في مراسلات إبستين يعمّق أزمة الثقة لدى الرأي العام في طبيعة العلاقات التي تربط السلطة بالمال، ويُبقي ملف إبستين مفتوحًا، لا بوصفه قضية انتهت بوفاة صاحبها، بل كقصة نفوذ لم تُكشف فصولها الأخيرة بعد.







