إصدار قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد يعيد فتح واحد من أعقد الملفات في تاريخ سوريا الحديث. المذكرة، التي ارتبطت بأحداث درعا في نوفمبر 2011، حمّلت الأسد اتهامات بالقتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية، وهي جرائم مثّلت الشرارة الأولى التي فجّرت الاحتجاجات الشعبية وتحولت لاحقاً إلى حرب أهلية مدمّرة استمرت سنوات طويلة. القرار يسمح بتعميم المذكرة عبر الإنتربول، ما يفتح الباب أمام ملاحقة الأسد دولياً، حتى لو ظل في حماية موسكو.
المثير أن الأسد، بعد سقوط نظامه في ديسمبر 2024 وفراره إلى روسيا، تحوّل من رئيس مطلق الصلاحيات إلى لاجئ سياسي يعتمد كلياً على الإرادة الروسية. موسكو، بوصفها حليفاً تقليدياً لدمشق وعضواً دائماً في مجلس الأمن، وفّرت له مظلة حماية سياسية وقانونية، لكن هذه المظلة قد لا تكون دائمة. فالتاريخ حافل بأمثلة قادة ظنوا أنفسهم محصنين، قبل أن تتحول أوراقهم إلى عبء على داعميهم. تسليم سلوبودان ميلوسوفيتش من صربيا أو تشارلز تايلور من ليبيريا يوضح أن المصالح الدولية قد تطيح بالحماية السياسية متى نضجت الظروف.
من الناحية القانونية، المذكرة تمنح السلطات الجديدة في دمشق أرضية لطلب التعاون الدولي، لكنها تصطدم بجدار صلب يتمثل في الموقف الروسي. فالكرملين لن يسلم الأسد بسهولة، لأنه يمثل بالنسبة إليه أكثر من مجرد رئيس سابق؛ هو رمز لمرحلة طويلة من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أي صفقة دولية كبرى بين موسكو والغرب قد تجعل ورقة الأسد قابلة للتداول، خصوصاً إذا ارتبطت بتخفيف العقوبات أو بترتيبات أمنية في المنطقة.
في المقابل، يبقى الخيار الأكثر واقعية حالياً هو استخدام المذكرة كورقة ضغط سياسية وأخلاقية أكثر من كونها أداة تنفيذية. فهي تمنح المعارضة السورية شرعية إضافية في المحافل الدولية، وتُحرج الدول التي ما زالت تتعامل مع الأسد كلاجئ سياسي محمي. لكن الأهم أنها تسجّل في التاريخ أن نظاماً حكم سوريا لعقود لم يعد بمنأى عن المساءلة، حتى لو لم يُسلَّم فعلياً إلى أي محكمة دولية بعد.







