منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر، برزت مخاوف مبكرة من أن التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة قد لا يقتصر على ضربات عسكرية تستهدف البنية التنظيمية لحركة حماس، بل يمتد إلى تغيير جذري في الواقع الديمغرافي للقطاع. هذه المخاوف لم تأتِ من فراغ، بل غذّتها مؤشرات على الأرض: حجم الدمار الهائل، استهداف المرافق الحيوية، وتصريحات ومواقف داخلية في إسرائيل تدعو علنًا إلى ترحيل سكان غزة إلى خارج حدود القطاع، وعلى وجه الخصوص إلى سيناء المصرية.
الموقف المصري كان حاسمًا في هذا السياق. القاهرة أبدت منذ البداية رفضًا واضحًا لأي سيناريو يؤدي إلى تهجير جماعي للفلسطينيين نحو أراضيها، إدراكًا منها لما قد يعنيه ذلك على المستويين السياسي والأمني، سواء فيما يخص مستقبل القضية الفلسطينية أو استقرار شبه جزيرة سيناء. هذا الموقف تلاقى مع تحفّظات دولية، بعضها نابع من مخاوف إنسانية، وبعضها من حسابات تتعلق بتوازنات ما بعد الحرب.
لكن رغم فشل هذه الخطة – إن وُجدت – في تحقيق نتائج مباشرة، إلا أن المعطيات الحالية لا تسمح بالاطمئنان الكامل إلى أن ملف التهجير قد أُغلق نهائيًا. فالنزوح الداخلي واسع النطاق، الذي طال ما يقارب مليوني فلسطيني داخل القطاع، وتحوّل مناطق بأكملها إلى أطلال، يفتح الباب أمام تساؤلات جدية: هل نحن أمام حالة نزوح طارئة مؤقتة، أم بداية لتحولات ديمغرافية أعمق يجري تثبيتها على مراحل؟
السلطات الإسرائيلية، من جهتها، تنفي وجود نية لتهجير سكان غزة إلى خارج القطاع. لكنها في الوقت ذاته، تواصل فرض وقائع ميدانية تجعل العودة إلى بعض المناطق – خصوصًا شمال القطاع – شديدة الصعوبة. الحديث عن مناطق “عازلة” أو “مراقبة”، والربط المتزايد بين أي مسعى لإعادة الإعمار وبين ترتيبات أمنية صارمة، يوحي بأن هناك مسارًا غير معلن لإعادة تنظيم الجغرافيا السكانية في غزة بما يراعي اعتبارات إسرائيل الأمنية على المدى الطويل.
من هنا، تبدو الإشكالية ليست فقط في مخطط ترحيل مباشر إلى سيناء – الذي أُجهض حتى الآن – بل في ما يمكن تسميته بـ”التهجير غير المباشر”. إذ قد تتحول ظروف النزوح الداخلي الحالية إلى حالة دائمة إذا ما غابت الضمانات الدولية لإعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية، أو إذا ما تم ربط الإعمار بشروط سياسية لا تتوفر في المدى القريب.
كما أن الضغط المستمر على القطاع من الناحية المعيشية قد يولّد مع الوقت حالة نزوح فردي أو جماعي باتجاه الخارج، ليس بالضرورة نحو سيناء، بل نحو مناطق أخرى في الشرق الأوسط أو خارجه، وهو ما قد يُستخدم لاحقًا كذريعة للإقرار بـ”واقع جديد” ديمغرافيًا.
الأخطر في هذا المشهد هو الغموض المحيط بمرحلة ما بعد الحرب. فحتى الآن، لا يوجد توافق دولي أو إقليمي واضح على شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، ولا على الجهة التي ستتولى الإشراف على الإعمار، ولا على آلية إعادة السكان إلى ديارهم. وكلما طال أمد هذا الفراغ السياسي، زادت احتمالات تثبيت التغييرات التي فرضتها الحرب ميدانيًا، سواء أُريد ذلك بشكل مباشر أم لا.
في المحصلة، يمكن القول إن مشروع التهجير المباشر قد تراجع أمام الرفض الإقليمي والدولي، لكن خطر التهجير غير المعلن ما يزال قائمًا، بصيغ أقل صدامية، وأكثر تعقيدًا. مواجهة هذا الخطر لا تتطلب فقط التصدي لمحاولات نقل السكان قسرًا، بل إيجاد تسوية سياسية شاملة تضمن عودة النازحين، وإعادة بناء غزة ككيان مدني قابل للحياة، بعيدًا عن منطق العقاب الجماعي أو إعادة تشكيل الواقع تحت ذرائع أمنية.







