في وقتٍ كان يُفترض أن تستضيف فيه جمهورية الدومينيكان القمة العاشرة للأميركتين، تحوّل البحر الكاريبي إلى مسرح مفتوح لتوترات غير مسبوقة منذ عقود، فبين انتشار السفن الحربية الأميركية على مقربة من السواحل الفنزويلية، وتصاعد التصريحات العدائية بين واشنطن وكراكاس، وجدت دول المنطقة نفسها أمام واقع مقلق يهدد بإشعال مواجهة جديدة بين الشمال والجنوب.
الكاريبي بين الإعصار والبارود
إرجاء القمة إلى عام 2026 لم يكن مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية تعكس عمق الانقسام في القارة الأميركية، وعجز العواصم عن التوصل إلى رؤية مشتركة لمعالجة أزمات الأمن والمخدرات والمناخ، فالخلافات لم تعد محصورة في الملفات الاقتصادية أو الهجرة، بل امتدت إلى صميم توازنات القوة في نصف الكرة الغربي.
المتتبع لتطورات الأسابيع الماضية يلاحظ أن المشهد يتجاوز حادثة تأجيل قمة، إلى صراعٍ مكتوم على النفوذ بين واشنطن من جهة، وتكتل من العواصم اللاتينية التي تشعر بأنها مستهدفة من جهة أخرى، وهكذا، وجد البحر الكاريبي نفسه مجدداً في قلب الجغرافيا السياسية للعالم الجديد.
وبينما تبرّر الولايات المتحدة تحركاتها البحرية بأنها جزء من “حرب شاملة على المخدرات”، ترى دول أخرى في المنطقة أن واشنطن تعيد إنتاج سياساتها التدخلية القديمة، لكن تحت غطاء جديد يخلط الأمن بالمصالح الاقتصادية.
واشنطن تعود إلى “الحديقة الخلفية”
منذ مطلع سبتمبر، شنت القوات الأميركية أكثر من 15 غارة في نطاق البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، استهدفت وفق روايتها سفناً يُشتبه في استخدامها بتهريب المخدرات، لكنّ صور الأقمار الصناعية وتقارير ميدانية أظهرت أن بعضها كان في مناطق تجارية مدنية، ما أثار شكوكاً حول نوايا واشنطن الحقيقية.
وتزامن ذلك مع إعلان البنتاغون إرسال ثماني سفن حربية ومقاتلات “إف-35” إلى بورتوريكو، في أكبر حشد عسكري بالمنطقة منذ أزمة كوبا في الستينيات، وبينما تصف واشنطن هذه الخطوة بأنها “وقائية”، تراها كراكاس والبرازيل استفزازاً صريحاً يعكس رغبة أميركية في إعادة فرض الهيمنة.
هذا الانتشار العسكري جاء في وقتٍ تشهد فيه الإدارة الأميركية ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب الانتخابات المقبلة، ما جعلها تستخدم ورقة “الأمن القومي” في نصف الكرة الغربي لتعزيز صورتها، فالمخدرات باتت العنوان المعلن، لكن خلفه أهداف تتعلق بالنفط الفنزويلي وبممرات التجارة الإقليمية.
وتشير مصادر دبلوماسية في سانتو دومينغو إلى أن واشنطن مارست ضغوطاً غير مباشرة على بعض العواصم لتأجيل القمة، لتفادي مواجهة دبلوماسية علنية مع دول كالمكسيك وكولومبيا وفنزويلا التي رفضت الانضمام إلى أجندة “التعاون الأمني الأميركي”.
فنزويلا تتحدى وتهدد بالرد
في المقابل، لم تتأخر كراكاس في الرد، إذ اتهم الرئيس نيكولاس مادورو الإدارة الأميركية بتدبير خطة “لتغيير النظام” تحت غطاء مكافحة تهريب المخدرات، معتبراً أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على ثروات النفط الفنزويلية.
وقال في خطاب متلفز إن “الولايات المتحدة تعود لسياسة القرصنة الإمبريالية نفسها التي مارسها ترومان وريغان”.
الحكومة الفنزويلية أعلنت حالة تأهب قصوى على سواحلها، ونشرت وحدات بحرية بالقرب من جزر مارجريتا، كما أجرت مناورات مشتركة مع قوات روسية وصينية رمزية، في رسالة واضحة إلى واشنطن، ووصفت وسائل إعلام مقربة من النظام تلك التحركات بأنها “إثبات على أن الكاريبي ليس ساحة مفتوحة”.
هذا التصعيد الميداني تزامن مع حملة دبلوماسية واسعة في مجلس الأمن تطالب بإدانة ما وصفته فنزويلا بـ“الانتهاكات الأميركية للسيادة الوطنية”، بينما رفضت واشنطن أي نقاش في هذا الشأن معتبرة أن عملياتها “شرعية وموجهة ضد الجريمة العابرة للحدود”.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه المواجهة قد يؤدي إلى صدام محدود، خصوصاً إذا ما وقعت اشتباكات بحرية أو سقط مدنيون في غارات أميركية مستقبلية.
تحذيرات من البرازيل والمكسيك
لم تقف البرازيل على الحياد، إذ قال مستشار الرئيس للشؤون الخارجية سيلسو أموريم إن أي تدخل أميركي في فنزويلا “قد يشعل أميركا الجنوبية بأكملها”، وأضاف أن “المنطقة تحتاج إلى حوار وتنمية، لا إلى أساطيل عسكرية جديدة”.
من جانبها، اتخذت المكسيك موقفاً حازماً ورفضت المشاركة في القمة، احتجاجاً على استبعاد دول مثل كوبا ونيكاراغوا، معتبرة أن “الإقصاء هو أول طريق للفوضى الإقليمية”، وشددت على أن الحلول الأمنية الأحادية لن تحقق استقراراً دائماً، بل تعيدنا إلى منطق الحرب الباردة.
وتبنت كولومبيا الموقف نفسه، حيث أعلن وزير خارجيتها أن “الولايات المتحدة لا يمكن أن تتحدث باسم القارة بأكملها”، أما تشيلي وبوليفيا فقد دعتا إلى عقد اجتماع طارئ لمنظمة الدول الأميركية لمناقشة “الأوضاع الخطيرة في الكاريبي”.
وسط هذه المواقف المتباينة، تزداد المخاوف من انهيار منظومة التعاون الإقليمي، وعودة الاستقطاب الحاد بين معسكرين: أحدهما يدور في فلك واشنطن، والآخر يسعى لتأكيد استقلال القرار اللاتيني.
إرث الحروب القديمة يعود في ثوب جديد
التاريخ لا يرحم، والذاكرة اللاتينية لا تنسى تدخلات واشنطن العسكرية السابقة من بنما إلى نيكاراغوا، واليوم، يرى محللون أن ما يجري في الكاريبي ليس سوى إعادة إنتاج لنفس السيناريوهات، مع تحديث في الأدوات والمبررات.
الولايات المتحدة، التي بررت تدخلاتها في الماضي بمكافحة الشيوعية، تبررها اليوم بمحاربة المخدرات والإرهاب العابر للحدود، لكن الهدف النهائي يبقى واحداً: تأمين مصالحها الاستراتيجية في ما تسميه “الحديقة الخلفية”.
هذا “الإرث الثقيل” يجعل من الصعب على شعوب القارة تصديق النوايا الأميركية، حتى وإن كانت التحركات تحمل طابعاً إنسانياً أو أمنياً، فالماضي حاضر بقوة في الوعي الجمعي اللاتيني، حيث لم تندمل جراح التدخلات السابقة.
ويرى مراقبون أن تأجيل قمة الأميركتين لم يكن سوى اعتراف ضمني بأن واشنطن فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على جمع القارة تحت رايتها كما كان الحال في التسعينيات.
الإعصار ميليسا يضاعف المعاناة
لم يكن الإعصار ميليسا حدثاً طبيعياً عابراً، بل ضربة موجعة اقتصادية وإنسانية أصابت معظم دول الكاريبي في الصميم. ومع دمار البنى التحتية وانهيار شبكات الكهرباء والمياه، وجدت حكومات المنطقة نفسها أمام أزمات متراكبة: مناخية، اقتصادية، وأمنية في آنٍ واحد.
الولايات المتحدة سارعت إلى تقديم مساعدات إنسانية عاجلة، لكن بعض العواصم رأت في تلك المساعدات “باباً خلفياً لتوسيع النفوذ”، فالمساعدات الإنسانية غالباً ما تُستخدم كأداة دبلوماسية لتكريس النفوذ السياسي، خصوصاً في مناطق منكوبة تحتاج للتمويل والإغاثة.
تأجيل القمة في هذا السياق جاء كحلٍّ اضطراري لتفادي انفجار دبلوماسي وسط فوضى ميدانية ومناخية. لكنّ القرار لم يبدّد القلق، بل زاد من الأسئلة حول مستقبل التنسيق الإقليمي.
اللعب بالنار.. واحتمالات التصعيد
الخطاب الأميركي الأخير عن “استهداف مهرّبي المخدرات الإرهابيين” أثار موجة انتقادات حقوقية واسعة، فواشنطن لم تقدّم حتى الآن أي أدلة ملموسة على هوية المستهدفين، ما دفع منظمات دولية إلى اتهامها بتنفيذ “عمليات قتل خارج نطاق القضاء”.
في المقابل، ترفض الإدارة الأميركية تلك الاتهامات، وتصرّ على أن العمليات “دقيقة” وتهدف لحماية الأمن القومي، لكنّ مراقبين يخشون من أن تؤدي الأخطاء أو سقوط مدنيين إلى انفجار الغضب الشعبي في دول الجوار، بما يفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة.
التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن منطقة البحر الكاريبي قد تكون على أعتاب فصل جديد من “الحروب الرمادية”، أي الصراعات غير المعلنة التي تستخدم فيها الاستخبارات، والعمليات الخاصة، والحصار الاقتصادي كأدوات نفوذ.
وفي حال استمرار هذا النهج، فإن الكاريبي قد يتحول فعلاً إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن ومحور لاتيني جديد يسعى لاستقلال قراره السياسي والاقتصادي.
واشنطن تعيد إنتاج سياساتها القديمة بأسماء جديدة
يرى الدكتور ريكاردو سانتوس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ريو، أن التحركات الأميركية الأخيرة هي جزء من “إستراتيجية إعادة تموضع” تهدف لتذكير دول المنطقة بأن نفوذ واشنطن لم يتراجع بعد، ويقول إن “الإدارة الأميركية تستخدم مكافحة المخدرات كغطاء لتوسيع وجودها العسكري”.
ويضيف أن “القضية ليست المخدرات، بل السيطرة على ممرات الطاقة والطرق البحرية بين خليج المكسيك والكاريبي، وهي شرايين التجارة الحيوية لأميركا الشمالية”.
ويحذر سانتوس من أن واشنطن تخاطر بإشعال مواجهة دبلوماسية مع قوى إقليمية صاعدة كالبرازيل والمكسيك، قد تمتد آثارها إلى التعاون داخل منظمة الدول الأميركية، ويعتبر أن “الإصرار على مقاربة أمنية سيزيد الفجوة السياسية بين واشنطن والعواصم الجنوبية”.
ويختتم بالقول إن “المنطقة بحاجة إلى شراكة قائمة على الاحترام المتبادل، لا على منطق القوة، لأن أي زعزعة في الكاريبي ستنعكس على الاقتصاد الأميركي نفسه”.
القارة أمام اختبار توازن جديد
تقول الباحثة الكولومبية إيزابيلا كورّال، باحثة في معهد بوغوتا للدراسات الإستراتيجية، إن تأجيل القمة يعكس “فقدان الثقة بين القادة”، وتصف الوضع بأنه “أزمة في الهوية السياسية للأميركتين”.
وترى أن “العصر الذي كانت فيه واشنطن تملي سياساتها على العواصم اللاتينية قد انتهى فعلياً، وأن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل للمحاور”، وتشير إلى أن “تحالفات جديدة تتشكل بين دول اليسار، بدعم غير مباشر من الصين وروسيا”.
وتضيف كورّال أن “التوتر في الكاريبي ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من صراع عالمي أوسع حول النفوذ في نصف الكرة الغربي، حيث تحاول القوى الكبرى اختبار حدود الدور الأميركي”.
وتختتم بتحذير واضح: “إذا لم يتم التوصل إلى آلية حوار شاملة، فقد تتحول القارة إلى ساحة تجاذب دائم بين واشنطن والعواصم اللاتينية، بما يهدد مستقبل التكامل الاقتصادي والأمني لعقود قادمة.”







