مع تراجع فاعلية الأطر الدولية التي نظّمت علاقات القوى الكبرى لعقود، تتحرّك موسكو اليوم داخل مشهد دولي أقل انضباطًا وأكثر قابلية لإعادة التشكيل، وتتعامل مع هذا التحوّل بوصفه فرصة استراتيجية لا مجرّد أزمة عابرة. فبحسب تحليل عالم السياسة سيفا غونيتسكي من جامعة تورنتو، يرى الكرملين في ضعف النظام الدولي الذي تهيمن عليه القوى الغربية نافذة لإعادة ترتيب موازين القوى العالمية، حتى وإن كان ذلك يفتح الباب أمام عالم أكثر هشاشة واضطرابًا. ويعكس انتهاء العمل بمعاهدة «ستارت الجديدة»، آخر اتفاق رئيسي لضبط التسلّح النووي بين روسيا والولايات المتحدة، هذا التحوّل العميق في البيئة الدولية، حيث لم يعد انهيار اتفاقيات كبرى يُستقبل بوصفه إنذارًا عالميًا بقدر ما يُقرأ في موسكو كتحوّل في قواعد اللعبة نفسها.
نهاية «ستارت الجديدة»… أكثر من إخفاق دبلوماسي
مرّ انتهاء العمل بمعاهدة «ستارت الجديدة»، آخر اتفاق رئيسي للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، في هدوء لافت. لم تُسجَّل ضجة سياسية كبرى، ولا تحركات دولية جدّية لإنقاذ ما تبقّى من منظومة ضبط التسلح النووي. بالنسبة لغونيتسكي، لا يعبّر هذا الحدث عن إخفاق تفاوضي فحسب، بل يكشف حالة إنهاك أصابت النظام الدولي برمّته، حيث تتراجع قدرة المؤسسات والاتفاقيات على فرض قواعد مشتركة أو إنتاج التزامات ملزمة.
في موسكو، لم يُنظر إلى انهيار الاتفاق بوصفه خسارة، بل كجزء من مسار أوسع نحو عالم أقل تقنينًا وأكثر تحررًا من الضوابط. بوتين، الذي لم يُخفِ عداءه للنظام الليبرالي الغربي، قرأ نهاية «ستارت الجديدة» باعتبارها علامة إضافية على أفول مرحلة كانت تُقيّد طموحات القوى الكبرى باسم الاستقرار الدولي.
عالم بلا قواعد… حين تصبح القوة معيار الشرعية
في التصوّر الذي يتبنّاه الكرملين، لم يعد العالم محكومًا بثنائية أيديولوجية واضحة كما كان الحال خلال الحرب الباردة، بل بمنطق مناطق نفوذ تتصرّف فيها القوى الكبرى وفق مصالحها المباشرة. لا قواعد مشتركة، ولا مرجعيات أخلاقية جامعة؛ وحدها موازين القوة ترسم حدود المسموح والممنوع.
هذا الخطاب يتكرّس يوميًا في الإعلام الروسي الرسمي، حيث تُقدَّم الفوضى الراهنة بوصفها مخاض “عالم جديد” يجب على روسيا أن تحجز لنفسها فيه موقعًا متقدمًا. عبارة “القوة هي الحق” لم تعد مجرّد توصيف دعائي، بل تلخيصًا عمليًا لرؤية سياسية ترى في تفكك النظام القائم فرصة استراتيجية، لا تهديدًا وجوديًا.
مفارقة النظام الليبرالي… قيود تحمي من الانفلات
على خلاف السردية الروسية، يلفت غونيتسكي إلى مفارقة أساسية: النظام الليبرالي الدولي، رغم كونه إطارًا صُمّم أساسًا لخدمة القوى الغربية، وفّر لروسيا هوامش حماية لم تكن لتتوافر في عالم بلا قواعد. فوجود معايير قانونية ومؤسسات دولية حدّ من سيناريوهات التصعيد المفتوح، ومنع تدخلات مباشرة أوسع ضد حلفاء موسكو، كما مكّن الكرملين من توظيف مكانته النووية ومقعده الدائم في مجلس الأمن لتجاوز حدود قوته الفعلية.
تفكيك هذا النظام، من وجهة نظر أكاديمية، لا يمنح روسيا تفوقًا مستدامًا، بل يزجّ بها في بيئة دولية أكثر اضطرابًا، حيث لا تحمي الضعفاء أي قواعد، ولا تضمن الأقوياء استقرار مكاسبهم. في عالم تحكمه شريعة الغاب، تتقلّص المسافة بين الصعود السريع والانكشاف السريع.
الرياح قد تنقلب… حين يرتدّ منطق القوة على أصحابه
يتقاطع هذا المنطق مع رؤية تتبنّاها الإدارة الأمريكية الحالية، حيث تُقدَّم العلاقات الدولية باعتبارها ساحة صراع قوى عارية من أي التزامات معيارية. تصريحات مسؤولي واشنطن حول “عالم تحكمه القوة والإكراه” تلقى صدىً في الخطاب الروسي الذي يبرّر حرب أوكرانيا باعتبارها تعبيرًا “طبيعيًا” عن منطق الهيمنة في نظام دولي متفكك.
غير أن هذه الرؤية نفسها قد تنقلب على موسكو. فمع تباطؤ الاقتصاد الروسي، واستنزاف القدرات العسكرية في أوكرانيا، وارتفاع الضغوط الاجتماعية بفعل التضخم والعقوبات، تتآكل مقوّمات القوة التي يعوّل عليها الكرملين في عالم بلا قواعد. في محيطها الإقليمي، تتراجع قدرة روسيا على فرض نفسها وسيطًا لا غنى عنه، فيما تتعامل الصين معها ببراغماتية الشريك الأصغر لا الحليف المتكافئ.
في هذا السياق، يبدو الرهان الروسي على انهيار النظام الدولي مقامرة عالية المخاطر: قد يفتح أبواب النفوذ على المدى القصير، لكنه يعرّض موسكو على المدى الأبعد لعالم أقل استقرارًا، تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، وتفقد فيه القوة معناها حين لا تحميها شبكة قواعد أو توازنات مؤسسية.






