شهدت مدينة الموصل، حدثاً استثنائياً تمثل في افتتاح رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عدداً من المراكز الدينية والتاريخية التي دمّرها تنظيم «داعش» خلال فترة سيطرته على المدينة عام 2014.
ومن بين هذه المعالم جامع النوري ومنارته الشهيرة «الحدباء»، إلى جانب كنيسة الساعة التابعة للآباء الدومينيكان، وكنيسة الطاهرة الكبرى للسريان الكاثوليك.
هذا الافتتاح اعتُبر خطوة رمزية لإحياء هوية الموصل المتنوعة دينياً وثقافياً، وترسيخ الانتصار على الإرهاب الذي حاول محو معالمها.
السوداني: رسالة انتصار ووحدة
خلال كلمته في حفل الافتتاح، أكد السوداني أن «إعادة إعمار منارة الحدباء هي علامة مضافة من علامات الانتصار الكبير للعراقيين على عصابات الظلام»، مشيراً إلى أن هذه العودة تمثل فشل محاولات زرع الفتنة بين مكونات الشعب العراقي.
وأضاف أن الحكومة تولي اهتماماً خاصاً بملف إعادة إعمار المناطق المحررة، وأن ما جرى في الموصل «يعد نموذجاً لإصرار العراقيين على التمسك بجذورهم الثقافية والدينية».
دلالات رمزية للموصل
يرى مراقبون أن افتتاح هذه الرموز الدينية التاريخية لا يحمل فقط دلالة معمارية أو حضارية، بل يمثل رسالة سياسية وأمنية مفادها أن العراق ماضٍ في تجاوز آثار مرحلة «داعش».
كما أن إعادة إعمار جامع النوري الذي ألقى فيه زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي خطبته الشهيرة عام 2014، يعتبر إغلاقاً رمزياً لحقبة الإرهاب التي حاولت أن تجعل من الموصل عاصمة للتنظيم.
قانون «الحشد الشعبي» إلى الدورة المقبلة
في سياق سياسي موازٍ، أسفرت الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية على القوى السياسية العراقية عن اتفاق لتأجيل مناقشة قانون «الحشد الشعبي» إلى الدورة البرلمانية المقبلة.
وشمل هذا التوافق جميع الرئاسات العراقية الأربع: الجمهورية، الوزراء، البرلمان، والقضاء، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى منع أي توتر سياسي داخلي قد يعكر الأجواء الحالية.
تأجيل القانون أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، إذ يرى البعض أن ترحيله يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول مستقبل «الحشد الشعبي» ودوره في المنظومة الأمنية، بينما يعتبر آخرون أن التأجيل يعكس استمرار الخلافات الجوهرية بين القوى العراقية بشأن صلاحيات الحشد وعلاقته بالقوات المسلحة.
ويتوقع مراقبون أن يتحول الملف إلى ورقة ضغط سياسية في الانتخابات المقبلة، خصوصاً مع تزايد المطالبات بدمج الحشد في المؤسسة العسكرية بشكل كامل أو إعادة هيكلته بما ينسجم مع القوانين العراقية.
تحديات إعادة الإعمار
رغم الافتتاح الرسمي للمعالم الدينية والتاريخية، لا تزال مدينة الموصل تواجه تحديات كبيرة على مستوى إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية مثل الطرق والمدارس والمستشفيات. ويؤكد مسؤولون محليون أن هذه الجهود تحتاج إلى دعم مالي دولي مستمر، إلى جانب رقابة صارمة لضمان الشفافية في إدارة الأموال.
وساهمت منظمة اليونسكو بشكل بارز في إعادة بناء جامع النوري ومنارة الحدباء ضمن مبادرة «إحياء روح الموصل»، بدعم من عدة دول أبرزها الإمارات.
ويرى خبراء أن هذه الشراكات الدولية أسهمت في إعادة الأمل إلى سكان المدينة، ورسّخت فكرة أن الموصل تمثل إرثاً إنسانياً يتجاوز الحدود الوطنية.
شهدت المراسم حضوراً لافتاً من أبناء الموصل، الذين أعربوا عن سعادتهم بعودة رموزهم الدينية والتاريخية، وقال بعض الأهالي إن لحظة افتتاح الجامع النوري أعادت لهم شعور الانتماء، فيما رأى آخرون أن هذا الحدث يمثل بداية صفحة جديدة من تاريخ المدينة بعد سنوات من الألم والدمار.
فيما يتعلق بقانون «الحشد الشعبي»، عبّرت بعض القوى السياسية عن ترحيبها بالتأجيل باعتباره فرصة لإجراء حوار وطني أوسع.
بينما اعتبرت أطراف أخرى أن التأجيل يخدم أجندات خارجية أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية، محذّرة من أن عدم حسم الملف قد يؤدي إلى انقسامات جديدة في المستقبل.







