تعيش الأزمة الأوكرانية لحظة فارقة بعد التصريحات الروسية الأخيرة التي أدلى بها دميتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، والتي أكد فيها أن موسكو «ما زالت منفتحة تماماً على عملية التفاوض» بشأن الحرب المستمرة منذ فبراير 2022.
الموقف الروسي تجاه حرب أوكرانيا
رغم أن الموقف الروسي بدا متشدداً خلال الأشهر الماضية، فإن الحديث الجديد عن الانفتاح يُعيد الاعتقاد بأن مسار الدبلوماسية ربما يكسب زخماً خلال الآونة المقبلة، خاصة مع التحركات الأميركية المتسارعة لدفع خطتها المعدّلة نحو التنفيذ.
وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام تساؤل كبير: هل نحن على مشارف تحوّل استراتيجي فعلي أم أمام مناورة محسوبة لاختبار ردود الأطراف الأخرى؟
وتبرز أهمية التصريحات الروسية لأنها تأتي متزامنة مع أحاديث متزايدة في واشنطن وكييف حول تعديل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إنهاء الحرب.
هذا التعديل، وفق مصادر أميركية، يهدف إلى تكييف الخطة مع أوضاع الميدان ومع المتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا. ورغم الغموض حول تفاصيل هذه التعديلات، فإن مجرد إبداء موسكو «تفهمها» لها، كما قال بيسكوف، يعكس تطوراً غير معتاد في الخطاب الروسي الذي لطالما اعتبر المقترحات الأميركية منحازة بالكامل إلى كييف.
كما أن الرسائل الروسية تحمل بين طياتها إشارة إلى رغبة في عدم الظهور بموقف الرافض للحوار، وهو ما تحرص موسكو على تجنّبه في هذه المرحلة التي يسعى فيها الغرب إلى صياغة اصطفافات جديدة في مواجهة الصين.
ولعل تأكيد بيسكوف أن «دور روسيا سيأتي لاحقاً للعمل بشكل جوهري على الخطة الأميركية» يفتح الباب أمام تكهنات حول شكل المشاركة الروسية في المرحلة المقبلة، وهل ستكون مشاركة حقيقية تسعى لوقف القتال، أم أنها أشبه بآلية لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.
ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن سياق أوسع يشهد تراجعاً في وتيرة القتال على بعض الجبهات، مقابل زيادة الضغط السياسي على الأطراف كافة، سواء من داخل أوروبا أو من الولايات المتحدة، أو حتى من دول محايدة تسعى للعب دور وساطة.
كل ذلك يجعل من الانفتاح الروسي حدثاً يستحق التوقف أمامه طويلاً، ليس فقط لفهم دلالاته، بل لاستشراف ما يمكن أن يترتب عليه خلال الأشهر المقبلة.
تحول في اللهجة الروسية؟
تشير القراءة الأولية لتصريحات بيسكوف إلى أن اللهجة الروسية أصبحت أقل حدة مقارنة بالشهور الماضية. فقد خلت تصريحاته الأخيرة من الاتهامات التقليدية للغرب، وركّزت بدلاً من ذلك على «تفهم» تعديلات الخطة الأميركية، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول الضغوط التي تواجهها موسكو، فهل بدأت الحرب تُثقل كاهل الداخل الروسي؟ أم أن القيادة الروسية تستشعر أن اللحظة الدولية الراهنة قد تكون مواتية للتفاوض؟
وتبدو موسكو مدركة أن الاستمرار في رفض أي مبادرة للتفاوض قد يضعها في موقف لا تحسد عليه على الساحة الدولية، خصوصاً مع تحركات واشنطن المكثفة لتقريب وجهات النظر بين كييف وبعض العواصم الأوروبية المتحفظة، لذلك، فإن التصريحات الأخيرة ربما تمثّل محاولة لإعادة التموضع في المشهد السياسي، تتيح لروسيا مساحة للتحرك دون أن تظهر بمظهر الطرف المعطل للحلول.
وتتزامن هذه التطورات مع حديث أميركي عن إعادة ترتيب هيكل الخطة الرامية لإنهاء الحرب، بما يضمن مراعاة هواجس مختلف الأطراف.
هذا الحديث يكتسب أهمية خاصة لأنه يعكس رغبة واشنطن في التوصل إلى حل سياسي قبل أن تتفاقم الأوضاع داخل أوروبا، سواء على صعيد الطاقة أو الهجرة أو الأمن. ومن هنا يمكن فهم الانفتاح الروسي باعتباره استجابة تكتيكية للتوازنات الجديدة.
ورغم أن موسكو لم تشر إلى أي تفاصيل حول مطالبها المحتملة على طاولة التفاوض، فإن تصريح بيسكوف بأن «دور روسيا سيأتي لاحقاً» يوحي بأن الكرملين ينتظر معرفة الصورة النهائية للتعديلات الأميركية قبل أن يقدم موقفاً واضحاً، وهذا يعكس رغبة في الإبقاء على الغموض كأداة سياسية تمنح موسكو مرونة أكبر خلال المرحلة المقبلة.
اجتماعات أبوظبي.. تساؤلات بلا إجابات
تشكل الأنباء المتعلقة بوجود وزير الحرب الأميركي دان دريسكول في أبوظبي ونيته لقاء مسؤولين روس ورئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف محوراً مهماً في المشهد الحالي، فاختيار العاصمة الإماراتية كموقع لهذه اللقاءات يعكس رغبة الأطراف في إيجاد أرضية محايدة تسمح بتبادل الرسائل الحساسة بعيداً عن ضوضاء التصريحات الرسمية.
وتتابع موسكو هذه الاجتماعات من دون أن تمنحها حجماً كبيراً في خطابها الرسمي، إذ أكد بيسكوف أنه «لا توجد تطورات حتى الآن»، في محاولة واضحة لاحتواء أي توقعات قد تخرج عن نطاق السيطرة.
وفي المقابل، ترى مصادر أميركية أن التحرك نحو أبوظبي يمثل خطوة استباقية لتوفير قنوات خلفية يمكن البناء عليها في حال تطورت المحادثات السياسية خلال الأسابيع المقبلة.
وتثير هذه اللقاءات تساؤلات عديدة حول طبيعة الرسائل التي يحملها دريسكول، وهل يتعلق الأمر بمحاولة لتهيئة الأجواء لإطلاق مسار تفاوضي رسمي، أم بمجرد تقييم للمواقف وإعادة ضبط خطوط الاتصال بين الأطراف المتصارعة، فالحرب الممتدة منذ قرابة أربع سنوات شهدت محاولات عديدة للتوسط، لكن أياً منها لم يصل إلى مرحلة يمكن وصفها بأنها «اختراق».
وإذا كانت هذه الاجتماعات تمثل بالفعل مقدمة لتحركات سياسية، فمن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة نشاطاً دبلوماسياً متسارعاً، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط، سعياً لإيجاد سبل جديدة لكسر الجمود الذي يطغى على مسار الحرب، وفي كل الأحوال، تبقى الإمارات محطة لافتة يمكن البناء عليها في سياق الجهود الهادفة لتحقيق الاستقرار.
بين خطة ترمب والواقع الميداني
تُعد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية، إذ تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا بشكل مباشر.
وقد شكّلت تصريحات بيسكوف حول «تفهم» التعديلات المدخلة على الخطة مؤشراً على أن موسكو لا ترفض النقاش من حيث المبدأ، بل تسعى إلى معرفة الكيفية التي ستضمن مصالحها الإستراتيجية.
ويبدو أن واشنطن تسعى من خلال التعديل إلى معالجة نقاط الضعف التي ظهرت خلال نقاشات الخطة في العامين الماضيين، خصوصاً ما يتعلق بوضع المناطق المتنازع عليها وآليات الانسحاب وجدول إعادة الإعمار.
كل هذه التفاصيل ترتبط مباشرة بأوضاع الميدان، الذي شهد تغيرات واضحة، سواء في حجم السيطرة أو في طبيعة الدعم العسكري المقدم لكييف.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري فهم ما إذا كانت موسكو ترى في اللحظة الراهنة فرصة لفرض شروط أفضل، أم أنها تحاول تجنب دخول مرحلة أكثر تعقيداً في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية، فالمعادلة المعقدة بين مسار التفاوض ومسار العمليات العسكرية تجعل من أي تحرك دبلوماسي خطوة محفوفة بالمخاطر.
ولا شك أن الأطراف كافة تدرك أن الحرب أنهكت الجميع، وأن استمرارها يفرض كلفة باهظة لن يستطيع أي طرف تحملها إلى ما لا نهاية، ولذلك، فإن الانفتاح الروسي، إذا ما كان حقيقياً، قد يمثل نقطة تحول حقيقية في واحدة من أكثر الحروب تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة.
مرحلة جديدة من البراغماتية الروسية
يرى د. أندريه ميلوف، متخصص في شؤون الأمن الأوروبي، أن تصريحات بيسكوف الأخيرة تعكس «مرحلة جديدة من البراغماتية الروسية»، موضحاً أن موسكو تدرك أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيؤدي إلى استنزاف لا يمكن التحكم بنتائجه.
ويشير إلى أن الكرملين أصبح أكثر ميلاً لإظهار انفتاح تكتيكي يمكنه من تحسين صورته الدولية، لا سيما في ظل الضغوط الغربية المتزايدة.
ويضيف الخبير أن «تفهم» روسيا للتعديلات الأميركية على خطة ترمب لا يعني قبولها بها بالضرورة، بل يشير إلى استعدادها لمناقشة بنودها وفق شروط جديدة قد تتضمن اعترافاً دولياً بمناطق معينة كجزء من الأراضي الروسية.
ويعتقد أن واشنطن قد تضطر إلى تقديم ضمانات أوسع لكييف مقابل دخولها في تسوية سياسية تشمل ترتيبات أمنية معقدة.
ويرى ميلوف أن الاجتماعات في أبوظبي تمثل «قناة اختبار» لقياس مدى استعداد الأطراف للتحرك نحو تفاوض مباشر، فوجود مسؤولين عسكريين من روسيا وأميركا وأوكرانيا في موقع واحد يشير إلى أن هناك مشاورات غير معلنة تجري بالفعل، حتى لو لم تظهر نتائجها بشكل فوري. ويعتبر أن مجرد عقد هذه اللقاءات يمثل تطوراً يستحق المتابعة الدقيقة.
ويختتم بالقول إن فرص التوصل إلى تسوية لا تزال «متوسطة» لكنها أعلى مما كانت عليه قبل عام، مشيراً إلى أن أي تقدم في خطة ترمب المعدّلة قد يفتح الباب أمام وقف إطلاق النار خلال عام 2026، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.
السر في التحولات الأميركية الداخلية
تعتقد د. فكتوريا هارلن، باحثة في العلاقات الأميركية – الروسية، أن الانفتاح الروسي المعلن لا يمكن تفسيره دون النظر إلى التحولات الأميركية الداخلية، خصوصاً مع رغبة إدارة ترمب في تحقيق اختراق دبلوماسي يُحسب لها في السياسة الخارجية.
وتوضح أن هذا الطموح قد يدفع واشنطن إلى ممارسة ضغط أكبر على كييف للقبول ببعض الترتيبات، وهو ما قد يشجع موسكو على إظهار مرونة محسوبة.
وتشير إلى أن روسيا تدرك أيضاً أن البيئة الدولية الحالية تُهيّئ مناخاً أفضل للتفاوض، مع انشغال أوروبا بأزماتها الاقتصادية، ورغبة واشنطن في تقليل الكلفة العسكرية والسياسية للحرب، وترى أن موسكو تستغل هذه الأجواء لتقديم نفسها كطرف «مسؤول» يسعى للحوار، حتى لو كانت أهدافها الحقيقية مغايرة لذلك.
وتلفت هارلن إلى أن الاجتماعات في أبوظبي تمثل «مرحلة تجميع معلومات»، حيث يسعى كل طرف لمعرفة خطوط التنازل الممكنة لدى الآخر، وتؤكد أن مثل هذه القنوات الخلفية كانت دائماً مقدمة لاتفاقات أكبر، خصوصاً في الملفات المعقدة التي تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية.
وتختم بالقول إن نجاح أي مفاوضات مستقبلية يتوقف على قدرة الأطراف على «إيجاد صيغة توازن» بين مصالح روسيا الأمنية ومطالب أوكرانيا السيادية، وبحسب تقديرها، فإن عام 2026 قد يشهد أول إطار رسمي لوقف إطلاق النار، لكنه سيكون إطاراً هشاً يحتاج إلى دعم دولي واسع للحفاظ عليه.






