شهدت العاصمة الفرنسية باريس مظاهرة لافتة حملت في شعاراتها ما هو أبعد من مجرد موقف من الحرب في أوكرانيا. الآلاف نزلوا إلى الشارع وهم يهتفون “ماكرون يستقيل” و”لا لأوروبا”، مطالبين بإقالة الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء فرانسوا بايرو. لم تكن هذه المطالب مجرد تعبير عن رفض دعم باريس لكييف، بل امتداداً لنقمة تراكمت بفعل الأزمة الاقتصادية الداخلية، وتآكل الثقة بين الفرنسيين ومؤسساتهم السياسية، التي يرون أنها رهنت البلاد لاتفاقيات الاتحاد الأوروبي وسياساته.
ماكرون في مواجهة غضب متصاعد
اللافت في هذه المظاهرات أنها جمعت بين شعارات سياسية كبرى، مثل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وبين مطالب اجتماعية ملموسة تتعلق برفض خطط التقشف وازدياد الدين العام. بالنسبة للمتظاهرين، ماكرون لم يعد مجرد رئيس؛ بل رمز لنخبة سياسية متعالية، تُتّهم بخدمة مصالح فئات ضيقة من المجتمع على حساب الغالبية. وعلى الرغم من أن مظاهرة باريس لم تصل بعد إلى حجم انتفاضة “السترات الصفراء” التي هزّت فرنسا قبل سنوات، إلا أن رمزية المشهد تكمن في أنه يعيد إلى الأذهان هشاشة العقد الاجتماعي الفرنسي، خاصة عندما تلتقي الأزمة الاقتصادية بالاحتقان السياسي.
المعارضة البرلمانية تستثمر اللحظة
التطور اللافت الآخر هو أن الشارع لم يعد وحيداً في مواجهة الحكومة، بل وجد صدى لتحركاته في المؤسسة التشريعية. رئيس الوزراء بايرو أعلن أنه سيطرح الثقة بحكومته في الجمعية الوطنية في 8 سبتمبر، خطوة قد تفتح الباب أمام استقالة حكومته، في وقت لا تملك فيه الأغلبية البرلمانية اللازمة للصمود. هذا المشهد ينذر بإمكانية انزلاق الأزمة إلى ما هو أخطر: بدء مسار عزل الرئيس نفسه إذا ما تحركت المعارضة الموحدة بقيادة “فرنسا غير الخاضعة” باتجاه ذلك. هنا تبدو فرنسا وكأنها على موعد مع اختبار مؤسساتي غير مألوف منذ عقود، يعيد طرح سؤال جوهري حول مدى قدرة نظامها السياسي على امتصاص الصدمات.
فلوريان فيليبو وصعود خطاب السيادة
المظاهرة الأخيرة أبرزت أيضاً صعود خطاب قومي يزداد حضوره في الساحة الفرنسية. فلوريان فيليبو، زعيم حزب “الوطنيون”، لم يكتف بإلقاء خطاب أمام المتظاهرين، بل ذهب أبعد من ذلك حين مزّق علم الاتحاد الأوروبي أمام عدسات الكاميرات. هذا الفعل الرمزي يلخص تحوّلاً في المزاج الشعبي: رفض متزايد للارتباط بروكسل، ورغبة في استعادة “السيادة الوطنية”. فيليبو وغيره من قادة اليمين الشعبوي يستثمرون في هذا المزاج، مستغلين الخوف من التقشف ومن انجرار فرنسا إلى حرب في أوكرانيا لا يرى كثيرون أنها معركتهم.
فرنسا بين أزمات الداخل وضغوط الخارج
التقاطعات بين السياسة الداخلية والخارجية باتت واضحة. فدعم ماكرون الصريح لكييف، وتبنّيه لخطاب أوروبي متشدد ضد روسيا، يواجه اعتراضاً متنامياً داخل بلاده، ليس فقط من التيارات اليمينية، بل أيضاً من اليسار الراديكالي الذي يرى أن هذه السياسات تغذي التوتر وتستنزف موارد الدولة. ومع استمرار تصاعد الدين العام، وازدياد وطأة التضخم على الأسر الفرنسية، يتحول النقاش حول أوكرانيا من قضية خارجية إلى شرارة داخلية تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي. وهنا يطرح السؤال الكبير: هل تصبح الحرب في أوكرانيا هي القشة التي تقصم ظهر البعير في فرنسا؟
مشهد مفتوح على احتمالات متفجرة
ما يجري في باريس اليوم قد لا يكون سوى بداية لمرحلة أكثر اضطراباً. فبين شوارع تغلي بمظاهرات شعبية، ومؤسسات سياسية تواجه احتمال التصويت بسحب الثقة، ومعارضة تبحث عن لحظة مواتية لعزل الرئيس، تبدو فرنسا على أعتاب اختبار سياسي عميق. ورغم أن النظام الدستوري الفرنسي يمنح ماكرون أدوات للمناورة، مثل حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلا أن مثل هذه الخطوات قد تزيد من تأجيج الغضب الشعبي بدل أن تطفئه.






