أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مرسوماً رئاسياً بتعيين السياسي المخضرم علي لاريجاني أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، خلفاً للجنرال علي أكبر أحمديان، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية بالغة الدلالة، خصوصاً بعد أسابيع من الحرب التي خاضتها طهران ضد إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي، واستمرت 12 يوماً، وأسفرت عن تغييرات هيكلية داخل مراكز القرار الأمني والعسكري.
المرسوم يأتي ضمن سلسلة تغييرات أوسع تشهدها إيران حالياً، مع بدء مراجعة شاملة للترتيبات الأمنية العليا، وسط تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية، وعودة الحديث عن اختراقات أمنية وتحديات سيبرانية.
بزشكيان: نحتاج إعادة تعريف “الأمن القومي”
في تصريحات رسمية بمناسبة التعيين، دعا الرئيس الإيراني الأمين الجديد للمجلس، إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية، ورصد أولويات الأمن القومي ومخاطره، مع التركيز على التهديدات التقنية والمستجدة، بما فيها الهجمات السيبرانية، وحرب المعلومات، والتحديات الاقتصادية المرتبطة بالعقوبات والتجارة الإقليمية.
وأكد بزشكيان على ضرورة “إعادة صياغة المفاهيم الاستراتيجية” في إطار جديد يواكب المتغيرات الدولية ويعكس التحديات التي تواجه إيران بعد الحرب الأخيرة.
خامنئي يصادق.. وأحمديان إلى لجنة الدفاع
وبحسب مصادر رسمية، فإن المرشد الأعلى علي خامنئي صادق على تعيين لاريجاني، وبارك الخطوة ضمن حزمة إصلاحات أوسع داخل المؤسسة الأمنية.
أما الجنرال علي أكبر أحمديان، الذي تم إعفاؤه من منصبه، فسيُكلَّف بمهام “استراتيجية” ضمن لجنة الدفاع العليا التي تم تشكيلها مؤخراً، في ما اعتبره مراقبون أول إقالة مباشرة لعسكري رفيع بعد الحرب الأخيرة، ما يشير إلى تحول ملحوظ في هيكلية صنع القرار.
من هو علي لاريجاني؟
يحمل لاريجاني، الذي يُعد من أبرز الوجوه السياسية الإيرانية منذ أكثر من عقدين، سجلاً ثقيلاً في مفاصل الدولة. فهو الرئيس الأسبق لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وسبق أن شغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث شارك حينها في المفاوضات النووية مع القوى الغربية.
كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بمراكز القوة داخل النظام، خاصة مكتب المرشد، ما يمنحه غطاء سياسياً واسعاً لتحريك ملفات حساسة على المستوى الأمني والدبلوماسي.
تحديات أمام المجلس الأعلى للأمن القومي
يواجه المجلس الأعلى للأمن القومي، في ظل قيادته الجديدة، عدة ملفات شائكة، أبرزها إعادة تقييم الاستراتيجية الدفاعية بعد الحرب مع إسرائيل، ومواجهة الضغوط الدولية المتزايدة بشأن البرنامج النووي، والتعامل مع التصعيد في الخليج والبحر الأحمر، واحتواء الأزمات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والاحتجاجات، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات الأمنية بعد تسريبات وخروقات شهدتها الأشهر الماضية.
رسائل داخلية وخارجية
يرى محللون أن تعيين لاريجاني يحمل رسائل مزدوجة؛ داخلية عبر تقوية الحلف السياسي للرئيس بزشكيان داخل النظام، وخارجية عبر إعادة رجل براغماتي إلى موقع يمكنه لعب دور في التواصل مع الغرب، خصوصاً في الملفات النووية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “شرق” الإيرانية أن لاريجاني “قادر على لعب دور الوسيط بين المحافظين والإصلاحيين، وبين الداخل والخارج، في مرحلة تتطلب توازناً دقيقاً”.
بداية مرحلة جديدة؟
مع تسلُّم علي لاريجاني ملف الأمن القومي في إيران، تفتح صفحة جديدة من التعاطي مع القضايا الكبرى، في الداخل والخارج. فهل ينجح في صياغة معادلة أمنية جديدة تحفظ استقرار النظام وتمنحه مرونة دبلوماسية في مواجهة الأزمات المتصاعدة؟.. الأسابيع المقبلة ستكون كاشفة للاتجاه الذي ستسلكه إيران بعد هذا التغيير.







