أعلنت الولايات المتحدة، عبر مسؤول تحدث لوكالة فرانس برس، عن إتمام أول صفقة لبيع النفط الفنزويلي منذ أن وضعت واشنطن يدها عمليًا على القطاع النفطي في البلاد، عقب اعتقال الرئيس المخلوع نيكولاس مادورو. الصفقة، التي قُدّرت قيمتها بنحو 500 مليون دولار، تمثل اختراقًا سياسيًا واقتصاديًا لافتًا في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في أمريكا اللاتينية خلال العقد الأخير.
ورغم امتناع المصدر الأمريكي عن الكشف عن هوية المشتري، إلا أن الإعلان حمل إشارة واضحة إلى أن هذه الصفقة لن تكون الأخيرة، مع توقع إبرام عمليات بيع إضافية خلال أيام أو أسابيع، ما يعكس توجّهًا أمريكيًا لتفعيل سريع لعائدات النفط الفنزويلي، ضمن ترتيبات ما بعد مادورو.
“صفقة تاريخية”… بلغة سياسية حادة
البيت الأبيض لم يُخفِ الطابع السياسي للخطوة. فقد قالت المتحدثة باسمه، تايلور روجرز، إن الرئيس دونالد ترامب “تفاوض على صفقة طاقة تاريخية مع فنزويلا، مباشرة بعد اعتقال نيكولاس مادورو الإرهابي المتورط في تجارة المخدرات”، معتبرة أن الصفقة ستعود بالنفع على الشعبين الأمريكي والفنزويلي.
اللغة المستخدمة تعكس مقاربة أمريكية مزدوجة: أولًا نزع الشرعية الكاملة عن النظام السابق، وثانيًا تسويق السيطرة على النفط باعتبارها خطوة إنقاذية للشعب الفنزويلي، لا إجراءً عقابيًا أو استغلاليًا.
وكان ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي أن “السلطات المؤقتة” في فنزويلا ستسلّم الولايات المتحدة ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط “عالي الجودة” والخاضع للعقوبات، أي ما يعادل إنتاج شهر إلى شهرين، مؤكدًا عزمه “السيطرة على عائدات” هذه المبيعات.
حماية قانونية… أم تحصين سياسي؟
بالتوازي مع هذه التطورات، وقّع ترامب مرسومًا طارئًا يضع الأصول الفنزويلية الموجودة داخل الولايات المتحدة، بما فيها عائدات النفط، تحت “حماية خاصة”. الهدف المعلن هو منع مصادرتها من قبل المحاكم أو الدائنين الدوليين، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإعادة ترتيب ملف الديون الفنزويلية بعيدًا عن ضغط الدعاوى القضائية.
غير أن هذه الحماية تثير تساؤلات قانونية وسيادية عميقة: من يملك حق التصرف في هذه الأصول؟ ومن يقرر مصير عائداتها؟ وهل تتحول “الحماية” إلى وصاية كاملة على الثروة الوطنية الفنزويلية؟
سباق الشركات الكبرى… وحدود المغامرة
إعلان الصفقة فتح شهية شركات النفط العملاقة، التي ترى في فنزويلا واحدة من أكبر الاحتياطيات غير المستغلة في العالم. وبحسب تصريحات الرئيس الأمريكي، فإن مستثمرين أمريكيين مستعدون لضخ “ما لا يقل عن 100 مليار دولار” في قطاع الطاقة الفنزويلي.
لكن الحماسة السياسية لا تقابلها ثقة اقتصادية كاملة. إذ صرّح رئيس شركة “إكسون موبيل” يوم الجمعة بأن الاستثمار في فنزويلا “مستحيل في الظروف الراهنة”، في إشارة إلى غياب الاستقرار القانوني، وضبابية المشهد السياسي، واحتمال تبدّل الترتيبات الحالية بتغيّر موازين القوى.
فنزويلا بلا صوت؟
الأكثر إثارة للجدل في خطة البيت الأبيض هو أن كاراكاس، بحسب التصريحات المتداولة، لا تملك أي رأي فعلي في كيفية استغلال باطن أرضها. فالإدارة الأمريكية تتعامل مع النفط الفنزويلي كأصل خاضع لإدارة انتقالية خارجية، لا كملكية سيادية لدولة مستقلة.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تمثل هذه المرحلة بداية إعادة إعمار اقتصادي حقيقي لفنزويلا، أم أنها انتقال من سيطرة نظام محلي منهك إلى إدارة خارجية تتحكم في المورد الأهم للبلاد؟
بين الإنقاذ والاستحواذ
ما يجري اليوم في فنزويلا يتجاوز صفقة نفط أو إجراءً استثنائيًا. إنه نموذج جديد لتداخل السياسة بالطاقة، حيث تُستخدم العقوبات، ثم رفعها الجزئي، كأدوات لإعادة تشكيل دولة بأكملها. وبين خطاب “الإنقاذ” الأمريكي ومخاوف “الاستحواذ” على الثروة، يبقى الشعب الفنزويلي أمام اختبار جديد: هل ستتحول عائدات النفط أخيرًا إلى حياة أفضل، أم ستظل تُدار باسمه ومن دونه؟







