في عمق الجبال الشمالية من اليمن، وتحديدًا في مديرية رازح بمحافظة صعدة، تتكرر بين الحين والآخر قصص مأساوية لا تنتمي إلى زمن الحروب بقدر ما تنتمي إلى عصور الجمود الاجتماعي، حيث تتقاطع أعراف القبيلة مع مسارات الحياة الفردية، وتُحكم العلاقات الإنسانية بمنطق النسب والطبقة لا بمنطق الحرية والمساواة. حادثة انتحار الشاب والفتاة في رازح بعد رفض أسرتهما تزويجهما لأسباب اجتماعية وقبلية ليست مجرد واقعة عاطفية مأساوية، بل هي مرآة تعكس بوضوح عمق المأزق الاجتماعي الذي تعيشه اليمن اليوم، وتكشف عن الجذور المعقدة للنزاعات القبلية التي ما زالت تمسك بخيوط الحياة في البلاد، رغم التحولات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي عصفت بها منذ أكثر من عقد.
لقد شكّل النظام القبلي في اليمن على مر التاريخ أحد أهم مرتكزات البنية الاجتماعية والسياسية، إذ قامت القبيلة بدور الحامي والمنظّم والمصدر الأساسي للهوية والانتماء، في ظل غياب مؤسسات الدولة الحديثة وضعف حضور القانون. لكن هذا الدور، الذي كان في فترات سابقة يمثل ضمانة للاستقرار الاجتماعي، تحوّل في العقود الأخيرة إلى عائق بنيوي أمام بناء دولة المواطنة المتساوية، بعد أن تكلست أعراف القبيلة وارتبطت بمصالح طبقية وامتيازات اجتماعية صارمة. ففي مناطق مثل صعدة وعمران وصنعاء وذمار، لا يزال التصنيف القبلي والطبقي يحدد مصائر الناس، ويؤثر في فرص التعليم والعمل والزواج والمكانة العامة، ويُبقي شريحة واسعة من اليمنيين رهينة مفاهيم «السادة» و«القبائل» و«المزينين» و«الأخدام» وغيرها من الطبقات التي تُرسّخ التفاوت الاجتماعي وترفض الاندماج الكامل داخل المجتمع.
القبيلة تملأ فراغ السلطة
تظهر حادثة “رازح” كدليل مؤلم على استمرار هذا الانقسام العمودي، إذ يختصر انتحار الشاب والفتاة مأساة جيل بأكمله يواجه منظومة تقليدية متصلبة تحكم على الحب والمصاهرة بمعايير النسب والعرق والمكانة، لا بمعايير الإنسانية. فرفض أسرة الفتاة تزويجها من شاب بحجة انتمائه إلى فئة «المزينين» يعيد إلى الواجهة قضية التمييز الاجتماعي، الذي يُمارس في مناطق واسعة من اليمن ضد فئات مهنية معينة، كالحلاقين والحدادين والنجارين وغيرهم ممن يُنظر إليهم بنظرة دونية، رغم أن الدين والعقل والمواثيق الإنسانية تجرّم مثل هذا التصنيف. لكن المجتمع القبلي في اليمن، الذي يضع شرف القبيلة ومكانتها فوق إرادة الفرد، لا يزال يرى في الزواج من طبقة أدنى مساسًا بالأنساب وتجاوزًا للأعراف، وهو ما يدفع كثيرين من الشباب والفتيات إلى الهروب أو الانتحار أو الخضوع القسري لإرادة الأسر.
غير أن خطورة مثل هذه الحوادث لا تكمن فقط في بعدها الإنساني أو الأخلاقي، بل في كونها تكشف عن مأزق أعمق يرتبط بتآكل مفهوم الدولة الحديثة في اليمن. فالدولة التي كان يُفترض أن تحل محل القبيلة كمرجعية قانونية ومؤسسية لم تستطع أن تبني منظومة مواطنة حقيقية تساوي بين الأفراد، بل تركت المجال مفتوحًا أمام الأعراف لتتحكم بالعلاقات الاجتماعية. ومع اندلاع الحروب الأهلية وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، عادت القبيلة لتملأ فراغ السلطة، فتزايد نفوذ المشايخ، وجرى تسليح القبائل تحت ذرائع الأمن والدفاع الذاتي، فتحوّل الانتماء القبلي من رابطة اجتماعية إلى أداة سياسية وعسكرية. ومن هنا، أصبحت الانقسامات الطبقية جزءًا من الانقسامات السياسية، فكل قبيلة باتت تمثل جزءًا من معادلة الصراع، وكل طبقة اجتماعية تدفع ثمن ولائها أو معارضتها لهذا الطرف أو ذاك.
الانقسامات الإدارية وترسيخ سلطة القبائل
ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى تعميق الشرخ داخل النسيج الاجتماعي اليمني، حيث تتسع الفجوة بين سكان الحضر والريف، وبين أبناء القبائل الكبرى والفئات المهمشة، وبين من يملكون النفوذ والسلاح ومن يملكون فقط أحلامهم البسيطة في حياة كريمة. فاليمن الذي كان يُعرف بتنوّعه الاجتماعي والثقافي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ساحة تتنازعها الولاءات الضيقة، وتُقاس فيها الكرامة بمستوى الانتماء القبلي. ويترتب على ذلك نتائج خطيرة، أبرزها تعطيل التنمية الاجتماعية، وحرمان الشباب من فرص عادلة للزواج والتعليم والمشاركة السياسية، وتكريس مفاهيم التفوق الاجتماعي التي تتنافى مع مبادئ العدالة والمساواة.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة الاجتماعية عن السياق السياسي الأوسع. فالحروب المتكررة والانقسامات الإدارية في اليمن زادت من ترسيخ سلطة القبائل، إذ باتت بعض المناطق تخضع لحكم الأعراف أكثر من خضوعها للقانون. وفي غياب مشروع وطني جامع، تصبح القبيلة الملاذ الأخير للفرد، ومصدر الحماية والهوية، لكنّها أيضًا تصبح أداة تقييد لحريته الفردية. فحين ترفض أسرة زواج ابنتها من شاب لا ينتمي إلى طبقة «القبائل»، فإنها لا تمارس فقط تمييزًا اجتماعيًا، بل تؤكد التزامها بأعراف ترفض التحوّل نحو مجتمع مدني حديث. وهنا تتجلى معضلة الإصلاح الاجتماعي في اليمن: فكل محاولة لتحديث المجتمع تصطدم بالبنية العميقة للقبيلة، وكل مشروع لبناء دولة المواطنة يجد نفسه أمام جدار من الولاءات التقليدية التي تُقدّم الانتماء القبلي على الهوية الوطنية.
الإصلاح التشريعي لمواجهة خطاب التمييز
أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فإن مثل هذه الحوادث تترك أثرًا بالغًا على الوعي الجمعي، إذ تزرع الخوف واليأس في نفوس الشباب، وتغذي الإحساس بالعجز أمام سلطة العادات والتقاليد. فالانتحار في سياق كهذا ليس مجرد فعل يأس، بل رسالة احتجاج ضد منظومة ترفض حق الإنسان في أن يختار مصيره. ويلاحظ أن الحوادث المشابهة تتكرر في أكثر من محافظة يمنية، ما يعني أن الأزمة لم تعد فردية، بل هي ظاهرة متنامية تستدعي معالجة جذرية تشمل التثقيف، والإصلاح التشريعي، وتمكين المؤسسات المدنية والدينية من مواجهة خطاب التمييز. كما أن استمرار هذا النوع من التمييز ينعكس سلبًا على صورة اليمن في الخارج، ويضعف ثقة المانحين والمنظمات الدولية في قدرة المجتمع على تحقيق مصالحة اجتماعية حقيقية تمهّد لإعادة الإعمار والاستقرار.
ولكي يتمكن اليمن من تجاوز هذه الأزمة العميقة، لا بد من تبنّي مقاربة شاملة تستند إلى تفكيك البنية القبلية من داخلها عبر التعليم والوعي والمشاركة المجتمعية. فالإصلاح لا يتحقق بقرارات سياسية فقط، بل عبر إحداث تحول ثقافي يُعيد تعريف مفاهيم الشرف والكرامة والانتماء. ويجب أن تتبنى الدولة والمجتمع المدني خطابًا جديدًا يعلي من شأن المساواة بين المواطنين، ويُجرّم التمييز الاجتماعي بكل أشكاله، ويمنح المرأة والشباب دورًا أكبر في صنع القرار الأسري والمجتمعي. كما أن لرجال الدين والمثقفين دورًا محوريًا في تفكيك الموروثات السلبية، وإبراز التعاليم الإسلامية التي تكرّم الإنسان لذاته لا لنسبه.
إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز سلطة القانون واستقلال القضاء يُعدّ ركيزة أساسية لكسر هيمنة الأعراف القبلية. فحين يدرك المواطن أن العدالة تتحقق في المحاكم لا في مجالس المشايخ، وأن المساواة مضمونة في الدستور لا في النسب، سيبدأ المجتمع بالتخلي تدريجيًا عن منظومة الطبقات المغلقة. كما يجب أن تواكب هذه الإصلاحات برامج توعية وإعلامية تركز على قصص النجاح التي تتحدى الانقسام الاجتماعي، وتقدّم نماذج لأسر تجاوزت حاجز القبيلة والطبقة لصالح المودة الإنسانية.
تجاوز الانقسامات القبلية ضرورة وطنية
وفي النهاية، فإن حادثة “رازح” ليست سوى إنذار جديد بأن استمرار التمييز القبلي في اليمن يهدد ليس فقط وحدة المجتمع، بل مستقبل الدولة بأكملها. فالمجتمع الذي لا يضمن لأفراده المساواة في الحقوق والكرامة، لن ينجح في بناء دولة مستقرة أو اقتصاد مزدهر أو نظام سياسي متماسك. تجاوز الانقسامات القبلية في اليمن لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة وطنية لبقاء الهوية الجامعة وإنقاذ ما تبقّى من الروابط الإنسانية في بلد أنهكته الحروب والعزلة.
إن التحدي الأكبر أمام اليمن اليوم هو الانتقال من منطق الانتماء القبلي إلى منطق المواطنة، ومن الأعراف الموروثة إلى سيادة القانون، ومن التراتبية الاجتماعية إلى العدالة الإنسانية. فقط عندما يتحقق هذا التحول، يمكن القول إن مأساة الشاب والفتاة في رازح لم تذهب سدى، بل أصبحت لحظة وعي مؤلمة فتحت الباب أمام مصالحة حقيقية بين اليمنيين جميعًا، فوق الانتماءات الضيقة وتحت مظلة وطن واحد تتساوى فيه الحقوق وتُكرّم فيه الإنسانية قبل النسب.







