تشير المعطيات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية، وبيانات النزوح، وشهادات الميدان في قطاع غزة، إلى أن ما يجري يتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية ليشكل استراتيجية تهجير قسري ممنهج. فالتصاعد الكبير في عدد المباني المدمرة شمال القطاع، والذي بلغ أكثر من 42 ألف مبنى وفق تقارير “يونوسات”، يكشف انتقال جيش الاحتلال من ضربات متفرقة إلى سياسة تستهدف البنية العمرانية نفسها، بما يحول الأحياء السكنية إلى مناطق غير قابلة للحياة.
حركة نزوح قسرية
هذا التدمير يفتح الطريق أمام حركة نزوح قسرية واسعة، إذ يجبر مئات الآلاف من السكان على ترك منازلهم تحت القصف، والانتقال إلى مساحات ضيقة لا تصلح للإيواء. فخلال الأشهر الماضية، شهدت مدينة غزة وشمالها عمليات إخلاء قسري شملت أحياء بكاملها مثل التفاح والشجاعية والزيتون، إضافة إلى عشرات المخيمات ومراكز الإيواء. هذه التحركات لم تكن عشوائية، بل جاءت في سياق متكرر يهدف إلى تفريغ المدينة وتجميع النازحين في مناطق مكتظة، يسهل التحكم فيها ومراقبتها.
استهداف الأبراج السكنية يمثل أداة إضافية في هذه الإستراتيجية، إذ إن تدمير مبنى واحد يطيح بمئات الشقق ويشرد آلاف الأسر دفعة واحدة. والأمثلة التي توثقها وسائل الإعلام، مثل قصف برج مشتهى المحاط بخيام نازحين غرب غزة، تعكس نمطًا ممنهجًا يحول الملاجئ ذاتها إلى أهداف عسكرية. وهذا لا يؤدي فقط إلى تهجير السكان من جديد، بل يفاقم من حالة الرعب واليأس بين المدنيين.
سياسة تهجير قسري
وفي الوقت الذي يدعي فيه الاحتلال توفير “مناطق إنسانية” في الجنوب، تكشف التحقيقات الميدانية والتحليلات الجغرافية أنها مجرد مساحات وهمية، لا تزيد صلاحيتها عن بضعة كيلومترات مربعة، مكتظة أصلاً بالخيام أو مدمرة بالكامل. هذه الخرائط الدعائية لا تقدم أي بديل واقعي للمدنيين، بل تُستخدم كغطاء لتبرير التهجير وإعطائه مشروعية مزعومة أمام المجتمع الدولي.
النتيجة المباشرة لهذا الواقع أن النزوح في غزة ليس حركة طوعية، بل دائرة مغلقة من القهر: نزوح تحت القصف، تجمع في مخيمات مكتظة، ثم تهجير جديد عند استهداف تلك المخيمات. هذا النمط المتكرر يجعل من “المنطقة الإنسانية” مصيدة جماعية لا توفر الحماية، بل تضاعف معاناة المدنيين وتعمق مأساة إنسانية غير مسبوقة.
وبذلك، يتضح أن الإستراتيجية الإسرائيلية تقوم على الجمع بين التدمير العمراني الشامل والدعاية العسكرية، بهدف تفريغ القطاع من سكانه عبر إرغامهم على النزوح المتواصل، في مشهد يعكس سياسة تهجير قسري مقنعة بغطاء “إنساني”، لكنه في جوهره حرب شاملة على الوجود المدني في غزة.







