تخوض النساء الفلسطينيات، معركة يومية خلف سجون الاحتلال، من أجل البقاء، لا بالسلاح، بل بأجساد أنهكها المرض، وبأرواحٍ تُستنزف تحت وطأة الإهمال الطبي المتعمد. في سجون الاحتلال، لا يتوقف الألم عند حدود الاعتقال، بل يتعمق مع الجوع، والحرمان من العلاج، وتفشي الأمراض، وسط سياسة ممنهجة تترك الأسرى يواجهون مصيرهم وحدهم، في مشهد إنساني قاسٍ يتجاوز كل القوانين والمواثيق الدولية، ويطرح سؤالًا أخلاقيًا ملحًا: إلى متى يستمر هذا الموت البطيء خلف القضبان؟
تتحوّل حياة آلاف النساء، مع كل منخفض جوي يضرب قطاع غزة، إلى سباق مرهق بين تأمين ما تبقى من الدفء، وتجفيف أرضية الخيمة من الغرق، وحماية الأطفال من لسعات البرد وأصوات القصف التي لم تغب. وتواجه النساء داخل المخيمات ومراكز النزوح قساوة العيش والحياة.. فلا مطبخ مجهز، ولا دورة مياه آمنة، ولا أدوات تنظيف، ولا حتى ثياب دافئة.
ومع ذلك، تنهض المرأة الغزية فجرًا لتعدّ وجبة الطعام لأبنائها، وتغسل ما يمكن غسله، وتطمئن على صغارها النائمين تحت البطانيات المهترئة.
نساء غزة يروون مأساتهم وسط الجحيم
نرصد حكايات من واقع المأساة، معاناة نساء غزة في ظل القمع والحصار المفروض، من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي. المواطنة نسيبة عوكل لم تجد شيئًا في خيمتها سوى غطاء رقيق، وأدوات مطبخ قديمة وصدئة، وبعض الحطب الذي تبتلّه الأمطار بين لحظة وأخرى، وإرادة امرأة تحولت إلى جيش من الصبر والمقاومة. حسب وكالة صفا.
نسيمة النازحة من شمالي غزة قالت: “المنخفض بالنسبة لنا كارثة، ليس لدينا جدران تحمينا ولا أرضيات تمنع الغرق، لكني أقاوم لأجل أولادي، لأجعلهم يشعرون بأن أمهم ما زالت الحضن والأمان.. نقضي ساعات طويلة نحاول فيها إشعال النار، وأحيانًا نفشل تمامًا، الأطفال يطلبون طعامًا ساخنًا، ولا أملك سوى إعادة المحاولة لكي أتمكن من تأمين ما يريدون”. حسب تصريحاتها لوكالة صفا.
وتابعت “هذه المعاناة لم تكن جزءًا من حياتنا قبل الحرب، حين كان غاز الطهي متوفرًا والكهرباء، اليوم ومع تدمير البنية التحتية ومنع إدخال الوقود وغاز الطهي، بات إشعال النار تحديًا يوميًا، يرافقه خوف دائم من اندلاع الحرائق أو وقوع الحوادث.. نخاف من الحريق، لكننا نغامر لأننا لا نملك خيارًا آخر، لم نكن نتوقع ان يتحول إعداد الطعام من واجب منزلي بسيط إلى معركة يومية نخوضها في مواجهة الرياح والبرد ونتائج الحرب”.
البرد ينهش الأجساد بدون أي مقومات للحياة
وبنبرة حزينة، قالت النازحة الغزاوية “لا يقتصر الحال على إعداد الطعام، بل يطال أيضًا غسل ملابس أطفالها في حوض بلاستيكي صغير، بماءٍ شديد البرودة، تضيف عوكل “لا غسالة، ولا ماء ساخن، ولا حتى كمية كافية من الصابون. أنحني لساعات، فيما ترتجف يداي من شدة البرد.. وتعيش النساء داخل خيام مهترئة أو مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الحياة، أو داخل منازل آيلة للسقوط، ما يضعهن أمام تحديات ومخاطر جديدة.
أما المواطنة فاتن ناجي (35 عامًا) فتعاني آلامًا شديدة في المفاصل وأسفل الظهر، بعد جولة من العناء والتعب في الماء البارد، قالت: “أشعر أن يدايّ تتجمدان، وأعاني آلامًا في المفاصل والظهر، لكن لا أستطيع التوقف.. المنخفضات الجوية فاقمت معاناتي الصحية، إذ أصبحت أعاني نوبات برد متكررة وآلامًا مزمنة في المفاصل، لكن مضطرة للاستمرار في غسل الملابس، بسبب قلة المتوفر منها، وانتشار الرطوبة داخل الخيام، ما يجعل تأجيل الغسيل خيارًا غير ممكن.. الحرب سرقت منا كل شيء، حتى صحتنا، نحن نتحمل العبء الأكبر في ظل غياب أي بدائل أو خدمات تخفف من وطأة هذه الأعمال”. حسب وكالة صفا.
في إحدى المدارس بقطاع غزة، تحدثت أم أكرم أبو شمالة، النازحة من بلدة بيت حانون شمال القطاع إلى جنوبه، قائلة: “النساء الفلسطينيات مكافحات، كنا نعيش حياة كريمة”، مشيرة إلى أن الحرب أهانتهن حيث يعشن معاناة من دون طعام أو شراب أو ملابس.. أولادنا مشردون، لا نعلم أين هم، نعيش في المدارس بلا كهرباء ولا مياه، نخشى الظلام ونفتقد الأمان”. حسب وكالة الأناضول.
قهر وظلم وفقدان أسري
ولا يختلف حال أم أنور أبو حطب، التي فقدت زوجها واثنين من أبنائها في الحرب: “نزحنا من البيت إلى المدرسة، وفقدت أولادي وزوجي، نعيش معاناة لا غاز ولا طعام ولا مياه، حتى الطهي نقوم به على النار.. المعاناة مريرة وصعبة، فقدت أبنائي وكل واحد منهم كان يعول أسرة مكونة من 5 أفراد، النساء خارج غزة يحتفلن ونحن هنا نعيش القهر والظلم والفقد، كلنا مكلومون، لكننا صامدون رغم الحصار”. وفقا للأناضول.
في سياق المأساة، تقول أم أحمد، النازحة في المدرسة: “يوم المرأة في كل العالم يوم احتفال وتكريم، لكن في غزة أصبح يوم الحزن، على مدار أكثر من عام ونحن نعيش الحرب والقصف.. يوم المرأة أصبح “يوم الإهانة” جراء ما حصل لهن، موضحة أنه “بدلا من أن نكرم، نجد أنفسنا نطبخ على النار، نغسل الملابس بأيدينا، ننام في الخيام وعلى الأرض”. حسب الأناضول.
تعيش نحو 250 ألف امرأة وفتاة في ظروف كارثية “المرحلة الخامسة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي – مرحلة المجاعة”، وهي مرحلة تتّسم بانعدام شبه تام للغذاء وانهيار كامل في سُبل التأقلم والبقاء. ويُترجَم ذلك إلى الجوع حتى الموت، وارتفاع حاد في معدلات سوء التغذية والمخاطر المهدِّدة للحياة. كما تُواجه نحو 500 ألف امرأة وفتاة إضافية خطر الانزلاق إلى هذه الظروف الكارثية في أي لحظة.
أُجبرت الغالبية العظمى من النساء والفتيات على النزوح المتكرر، بمعدل أربع مرات تقريبًا منذ اندلاع الحرب. ومع كل نزوح، تبدأ رحلة البحث عن بقعة أرض صغيرة، غالبًا بإيجارات باهظة تفوق القدرة على الاحتمال، ما يدفع العديد من الأسر إلى نصب خيامٍ مؤقتة.







