تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام وفد المشرّعين الأميركيين، والتي حمّل فيها قطر والصين مسؤولية قيادة حملة إعلامية لـ«محاصرة» إسرائيل، تندرج في سياق رسائل سياسية واستراتيجية متعددة المستويات. أولاً، الحديث أمام أكبر وفد أميركي يزور إسرائيل يهدف إلى طمأنة الحاضنة الأميركية وإظهار أن تل أبيب تعمل على احتواء ما تصفه بـ«تهديدات الرأي العام» التي قد تضعف الدعم السياسي والعسكري الخارجياً؛ وهي رسالة موجهة إلى جمهورين داخلي ودولي في آن واحد: للرأي العام الإسرائيلي الذي يحتاج إلى تأكيدات، وللمشرّعين الأميركيين الذين يُفترض أن يمثلوا دعماً حاسماً للموقف الإسرائيلي.
حملات تضليل
ثانياً، ربط نتنياهو بين ما يسميه «حصاراً إعلامياً» ودول مثل قطر والصين يعكس استراتيجيته المضادة للضغط الدولي: بدلاً من الاعتراف بتآكل الحلفاء أو الأخطاء السياسية العسكرية، يحوّل المسؤولية إلى قوى خارجية «تدير حملات تضليل» تستهدف بيئة الدعم. هذا التوصيف يخدم غرضين عمليين؛ يبرر سياسات داخلية تصعيدية (بما في ذلك زيادة الاعتماد على القدرات الدفاعية والصناعية الذاتية)، ويعطي مبرراً لتوسيع نطاق العمليات ضد خصوم خارجيين أو جهات إعلامية، أو لتصعيد حملات نفوذ مضادة على منصات التواصل.
ثالثاً، سياق التصريحات مهم للغاية: أتت بعد خبراء دوليين وإقليميين يدينون ضربات إسرائيلية شملت حتى دولاً وسياسات إقليمية حساسة (مثل الهجوم في قطر) وزيارة مسؤول أميركي رفيع إلى تل أبيب، مما يجعل الاتهامات جزءاً من مناورة دبلوماسية داخلية وخارجية متشابكة. الربط الزمني بين الزيارات الدبلوماسية، الضربات الإسرائيلية، والحديث عن محاولات «تقويض الدعم» يوظف الخلافات الدولية لتبرير خيارات استراتيجية، ويعكس قلقاً إسرائيلياً من انعكاسات إعلامية ودبلوماسية قد تُترجم إلى عقوبات أو تقليص تعاون عسكري أو تجاري.
كسر الحصار السياسي
رابعاً، من ناحية النتائج المحتملة، تصريحات نتنياهو قد تزيد من وتيرة الاستقطاب الدولي: اتهام قطر—التي كانت وسيطاً في ملف الأسرى والتفاوض—يسهم في تفجير قنوات تفاوضية قد تكون عاملة، بينما توسيم الصين بأنها جزء من حملة تأثير يفتح ملف العلاقات مع قوة عظمى لها مصالحها الاقتصادية والسياسية. في المدى القصير، قد تُستخدم هذه الخطابية لتكثيف جهود إسرائيلية في «حرب السرد» عبر شبكات إعلامية وعلاقات عامة، وفي المدى المتوسط قد تؤدي إلى تعميق عزلة أوسع إذا ترافقت مع إجراءات دولية ملموسة أو تحولات سياسية في أوروبا ودول أخرى.
أخيراً، هناك بعد داخلي واضح: دعوة نتنياهو إلى تعزيز الصناعات العسكرية والاعتماد على الذات في التسليح والاستعداد لـ«كسر حصار سياسي» تعكس قراءة للحالة على أنها فترة استثنائية تتطلب اقتصاداً جزئياً تكيفياً وسياسة تواصل هجومية. هذا المسار يحمل مخاطرة اقتصادية وسياسية—من موارد ضخمة تُوجّه لإنتاج عسكري بدلاً من احتواء سياسي أو إعادة بناء دبلوماسي—وقد يترك أثراً طويل الأمد على العلاقات الخارجية وعلى الميزانية الداخلية إذا استمرت المواجهة وتصاعدت تبعاتها الدولية.
تأمين الدعم الأميركي
خلاصة التحليل تكمن في أن خطاب نتنياهو هنا ليس مجرد اتهام عابر، بل جزء من استراتيجية شاملة لإدارة أزمة على مستويات متعددة: تأمين الدعم الأميركي، توجيه اللوم إلى «جهات خارجية» لحشد التأييد الداخلي، الاستعداد لاستراتيجيات دفاعية وصناعية طويلة الأمد، ومحاولة إجراء توازن بين ضغوط دبلوماسية متصاعدة وضرورات أمنية داخلية. النتائج العملية لهذه الاستراتيجية ستعتمد على مدى تجاوب الحلفاء التقليديين، قدرة الدول المذعورة على تحويل الخطاب إلى سياسات فعلية، ومقدار ما سينجح الطرفان (إسرائيل ومنتقدوها) في فرض سرديهما على الساحة الدولية.







