أعاد الإفراج عن العاملين في الفرع التونسي للجمعية الفرنسية «أرض اللجوء»، وفي مقدمتهم المديرة السابقة شريفة الرياحي، تسليط الضوء على ملف الهجرة غير النظامية في تونس وما يحيط به من جدل قانوني وحقوقي متصاعد. فرغم صدور أحكام بالسجن مع تأجيل التنفيذ، وما رافقها من إسقاط لعدد من التهم المتعلقة بالتمويل والأنشطة غير القانونية.
لا تزال القضية تعكس توترًا عميقًا بين مقاربة الدولة الأمنية لملف المهاجرين وضغوط المنظمات الحقوقية المحلية والدولية التي تتهم السلطات بملاحقة النشطاء الإنسانيين. ويأتي ذلك في سياق إقليمي ودولي معقّد، حيث تحوّلت تونس إلى نقطة ارتكاز في سياسات الاتحاد الأوروبي الرامية للحد من تدفق المهاجرين، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات هذه السياسات على حقوق الإنسان والنسيج الاجتماعي داخل البلاد.
ادعاءات بوجود تمويلات أو تدفقات مالية
ونشرت اللجنة الداعمة لشريفة الرياحي، المديرة السابقة للجمعية، تسجيلاً مصوّراً على موقع فيسبوك يُظهرها وهي خارجة من السجن، وأكّدت الإفراج عن باقي العاملين. فيما أوضح المحامي داوود يعقوب، عضو هيئة الدفاع عن شريفة الرياحي، أن المحكمة “قضت بالسجن سنتين مع تأجيل التنفيذ في حقّ المتهمين الخمسة الموقوفين بمن فيهم شريفة الرياحي”.وأضاف “غداً سنطّلع على بقية الحكم”، حسب فرانس برس.
وقبل الجلسة، شدّدت لجنة دعم شريفة الرياحي على أن “جميع التهم التي أوحت بوجود أنشطة غير معلنة أو مخالفة للقانون أو للأعراف أو لقواعد العمل الإنساني سقطت” خلال التحقيق. كما أضافت أن “الادعاءات المتعلقة بتمويلات أو تدفقات مالية مشبوهة أو إخلالات مالية” سقطت كذلك. ومن بين المتهمين الثلاثة والعشرين، 17 عضواً في مجلس بلدية سوسة (شرق)، منهم اثنان موقوفان، وُجّهت إليهم تُهم توفير مقرات للجمعية.
وكان المتهمون الثلاثة والعشرون يواجهون عقوبة الحبس لمدة تصل إلى عشر سنوات في حال دينوا بتهم “الوفاق وتكوين تنظيم” يهدف إلى “إعانة أجنبيّ … وتسهيل جولانه وإقامته بالبلاد التونسية بصفة غير شرعية وإيواء أشخاص داخلين للتراب التونسي خلسة”.
خطابات عنصرية وتحريضية
في حين أكد المحامون في مرافعتهم أن المتهمين “أدوا عملا إنسانيا لمساعدة طالبي اللجوء والمهاجرين في إطار برنامج أقرّته الدولة التونسية، وبالتنسيق المباشر مع الحكومة”. ودعت مقرّرة الأمم المتحدة المعنية بوضع المدافعين عن حقوق الإنسان ماري لولور الأحد السلطات التونسية إلى “إطلاق سراح (الرياحي) بدلًا من ملاحقتها على أساس اتهامات زائفة مرتبطة بدفاعها عن حقوق المهاجرين”.
وتُعدّ تونس نقطة عبور رئيسية لآلاف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء الذين يحاولون سنوياً الوصول إلى أوروبا بحراً بطرق غير نظامية. وفي شباط/فبراير 2023، أثار الرئيس قيس سعيّد جدلاً واسعاً بتصريحات تحدث فيها عن تدفّق “جحافل” من المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، معتبراً أنهم يهددون “التركيبة الديموغرافية” للبلاد.في حين تصاعدت التوترات عقب ذلك، وأُعيد آلاف المهاجرين أو فرّوا بحرا. حسب وكالات.
من جانبه، قال رمضان بن عمر الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية) إن المقاربة التي تعتمدها السلطات التونسية في التعامل مع ملف المهاجرين “زادت في توتير الأجواء في ظل تجاهلها لوجود خطابات عنصرية وتحريضية متفاقمة ضد المهاجرين، وعجزها أيضا عن اتخاذ قرارات واضحة أو بناء رؤية حقيقية لحل الأزمة الراهنة”. حسب الجزيرة.
تفاقم أزمة المهاجرين
وأضاف أن أزمة المهاجرين لم تكن وليدة اللحظة، بل تفاقمت بسبب سياسات الدولة التي اختارت التعامل مع المهاجرين بطريقة تعمق الأزمة بدلا من إيجاد حلول جذرية. موضحا أن الدولة هي من اختارت نقل المهاجرين إلى غابات الزيتون وعزلهم في مناطق تفتقر للخدمات، بدلا من إيجاد بدائل إنسانية تنظم وجودهم”، مرجعا حالة الاحتقان بين السكان المحليين والمهاجرين إلى الصمت وغياب الحلول من قبل السلطات.
وأكد بن عمر، إن ما يحدث من احتقان حاليا هو نتيجة مباشرة “لسياسة الصمت والإنكار التي تنتهجها الدولة تجاه هذه الأزمة، نحن نتعاطف مع الأهالي الذين يرون ممتلكاتهم تتضرر، كما نتعاطف مع المهاجرين الذين يُحرمون من التنقل والعمل ومن الحصول على مساعدات”. ولم تقتصر حملة التحريض والكراهية فقط على المهاجرين وإنما طالت نشطاء في منظمات تعنى بقضايا الهجرة، تم اعتقالهم منذ أشهر على غرار رئيسة جمعية “تونس أرض اللجوء” شريفة الرياحي ورئيسة جمعية “منامتي” سعدية مصباح وغيرهما. حسب الجزيرة.
قرارات سياسية وراء اعتقال النشطاء ومحاكمتهم
ويؤكد الحقوقي رمضان بن عمر أن هناك “قرارا سياسيا وراء اعتقال النشطاء ومحاكمتهم بتهم واهية تتعلق بغسيل الأموال، وأن ذلك يأتي بعد خطاب الرئيس قيس سعيد، في مايو/أيار 2023 ضد المهاجرين، وأن السلطة وجهت لهم تلك التهم لأنها كانت تبحث عن أكباش فداء تُتهم بالوقوف وراء الأزمة”.
ويضيف “من خلال هذه القضايا نلاحظ أن الدولة تريد ضرب النشطاء الذين يعملون في الخط الأمامي لمساعدة المهاجرين عبر تقديم مواد غذائية أو العلاج للقصر وغيرها من الإعانات، بهدف استهدافهم وترك المهاجرين في حالة هشاشة تماشيا مع سياساتها”.
ووفقا له، تشير الأرقام إلى تراجع بـ55% في تدفق المهاجرين نحو السواحل الإيطالية، و”هذا مؤشر قوي على فعالية السياسات الأوروبية”. كما أن تدفق المهاجرين عبر تونس قد انخفض بنسبة 82%، مما يبرز نتائج التعاون بين الاتحاد الأوروبي والسلطات التونسية.






