إعلان المستشار الألماني فريدريش ميرتس وقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل يمثل لحظة فارقة في السياسة الألمانية، خاصة أن برلين كانت على الدوام من أشد الداعمين لإسرائيل، مدفوعةً بتاريخها الثقيل المرتبط بالمحرقة النازية وما خلّفته من التزامات سياسية وأخلاقية تجاه الدولة العبرية.
هذا القرار يأتي بينما تحتل ألمانيا المرتبة الثانية عالميًا كمورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، ما يجعله أكثر من مجرد إشارة رمزية، بل خطوة ذات أثر استراتيجي في توازن الدعم العسكري الغربي لتل أبيب.
الدوافع: من البعد الإنساني إلى الحسابات السياسية
بحسب ميرتس، فإن الدافع الرئيسي للقرار هو الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، وخطط إسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية بشكل قد يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين.
تحذير المستشار من أن هذه العمليات قد تتطلب إخلاء مدينة غزة بالكامل يضع برلين في موقف أخلاقي حساس، فهي لا تريد أن تُتهم بالمشاركة – ولو بشكل غير مباشر – في إمداد طرف يمارس عمليات عسكرية واسعة النطاق قد تنطوي على كلفة بشرية باهظة.
المفارقة: دعم ثابت لإسرائيل مع رفض التصعيد
على الرغم من هذا الموقف الصارم تجاه تسليح إسرائيل في الوقت الراهن، شدد ميرتس على أن مبادئ السياسة الألمانية تجاه إسرائيل لم تتغير، مؤكداً أن برلين “تقف بحزم إلى جانب إسرائيل منذ 80 عاماً”.
هذا التوازن بين الحفاظ على التحالف التاريخي وبين رفض الانخراط في التصعيد العسكري يعكس محاولة ألمانية لتبني نهج “الدعم المشروط”، حيث يبقى الالتزام السياسي قائماً، لكن الدعم العسكري يتوقف عند الخطوط الحمراء الإنسانية.
البعد الدبلوماسي والأوروبي
وقف صادرات الأسلحة لا يعني بالضرورة قطع الدعم، بل ربما يشكل ورقة ضغط تستخدمها برلين لدفع إسرائيل نحو خيارات دبلوماسية أو نحو تخفيف حدة العمليات.
كما أن الخطوة تضع ألمانيا في موقع مختلف داخل الاتحاد الأوروبي، إذ غالباً ما كانت دوله منقسمة في مواقفها تجاه الحرب في غزة. وقد تلهم هذه السابقة مواقف مشابهة من دول أوروبية أخرى، ما قد يخلق كتلة ضغط غربية أوسع على إسرائيل.
المخاطر المحتملة
هذا القرار محفوف بالمخاطر على عدة مستويات. فمن جهة، قد يؤدي إلى توتر في العلاقات الألمانية–الإسرائيلية، وربما يثير انتقادات حادة من تل أبيب. ومن جهة أخرى، قد يُنظر إليه داخلياً على أنه مساس بالتزامات ألمانيا التاريخية.
في المقابل، قد يمنح برلين مصداقية أكبر في المحافل الدولية حين تتحدث عن حقوق الإنسان والحلول السلمية للنزاعات، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة إلى الدول الغربية بشأن ازدواجية المعايير.
قراءة في التحول
رغم إصرار ميرتس على أن هذا القرار لا يغير جوهر العلاقة مع إسرائيل، إلا أن دلالاته السياسية واضحة: ألمانيا لم تعد مستعدة لتقديم دعم عسكري غير مشروط، حتى لحليف استراتيجي بحجم إسرائيل، إذا كان ذلك الدعم قد يُستخدم في سياق عمليات تعتبرها برلين مفرطة في الكلفة الإنسانية وغير منسجمة مع القانون الدولي.
إنه اختبار دقيق لمدى قدرة ألمانيا على الموازنة بين إرثها التاريخي ومسؤولياتها الأخلاقية المعاصرة، في لحظة تتقاطع فيها السياسة الخارجية مع الضغوط الإنسانية والأخلاقية على نحو غير مسبوق.







