يعيش الأطفال في قطاع غزة وعموم دولة فلسطين، أصعب مرحلة في تاريخ البشرية، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى تهديد لمقومات البقاء الأساسية لجيل كامل، حيث تشير الأرقام الصادمة حول أعداد الضحايا، ونسب الفقر الغذائي، وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية، إلى واقع مؤلم يتجاوز حدود الأزمات التقليدية، ليصل إلى مرحلة تفكك شامل للبنية المجتمعية التي تحمي الطفولة.
أظهرت التقديرات الديموغرافية أن عدد سكان دولة فلسطين بلغ نحو 5.56 مليون نسمة مع نهاية العام 2025، بواقع 3.43 مليون في الضفة الغربية، و2.13 مليون في قطاع غزة.
أرقام صادمة تكشف حجم المأساة
وبمناسبة يوم الطفل الفلسطيني، أفاد الجهاز المركزي للإحصاء، في تقرير صدر اليوم الأحد، أن الأطفال دون سن 18 عاماً شكّلوا 43% من إجمالي السكان، أي ما يقارب 2.47 مليون طفل/ة، منهم 1.38 مليون في الضفة الغربية (41%)، و1.09 مليون في قطاع غزة (47%) حتى نهاية العام 2025. أما الأطفال دون سن 15 عاماً، فقد بلغت نسبتهم 36.3% من إجمالي السكان، بما يعادل نحو 2.02 مليون طفل/ة، منهم 1.18 مليون في الضفة الغربية (35%)، و0.83 مليون في قطاع غزة (39%). حسب وكالة وفا.
وبلغ عدد الشهداء 72,289 شهيداً، بينهم 21,283 طفلاً؛ أي ما يشكل حوالي 30% من إجمالي الضحايا حتى نهاية العام 2025. ومن بين هؤلاء، استشهد 450 رضيعاً، و1,029 طفلاً لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5,031 طفلاً دون سن الخامسة، ما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد.
ولم تقتصر أساليب القتل على الصواريخ فحسب، بل جاء تحالف الحصار والجوع والبرد ليخطف أرواح الأطفال؛ إذ توفي 157 طفلاً بسبب الجوع، بينما قضى 25 آخرون نتيجة الصقيع في خيام النازحين، فيما لا تزال حكايات نحو 9,500 مفقود تحت الأنقاض مركونة إلى الغياب، غالبيتهم من الأطفال والنساء ابتلعهم الركام، دون شاهد أو قبر.
محاولة ممنهجة لاغتيال جيل فلسطيني
على صعيد الإصابات، يعاني الأطفال كارثة صحية مزدوجة، حيث بلغ عدد الجرحى 172,040 مصاباً، من بينهم ما لا يقل عن 44,486 طفلاً، أي ما نسبته 26% من إجمالي الجرحى.
وما زالت آثار الحرب الجسدية مدمرة، مع 10,500 طفل يعانون إصابات غيرت مجرى حياتهم، وأكثر من 1000 حالة بتر للأطراف، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأجهزة المساعدة. ويواجه نحو 4,000 طفل خطر الموت ما لم يتم تأمين إجلاء طبي عاجل لهم. هذا النزيف امتد إلى الضفة الغربية ليرتقي فيها 237 طفلاً من أصل 1,145 شهيداً.
وتؤكد هذه الأرقام أن ما يحدث هو محاولة ممنهجة لاغتيال جيل فلسطيني كامل، من خلال “تحالف الموت” الذي يشمل القصف العشوائي، والتجويع القسري، والحصار الخانق، وصقيع الشتاء القاسي.
وكشف تقرير صادر عن مؤسسات حقوق الأسرى عن تصاعد غير مسبوق في اعتقالات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين؛ فمنذ اندلاع الحرب، سجلت المؤسسات الحقوقية أكثر من 1,655 حالة اعتقال لأطفال في الضفة الغربية بما فيها القدس، من بينها 600 حالة خلال العام 2025، في انتهاك واضح للقانون الدولي، واتفاقية حقوق الطفل.
وحتى 11 آذار 2026، لا يزال الاحتلال يحتجز 350 طفلاً أسيراً يعانون ظروفاً قاسية والحرمان من الحقوق الأساسية، في سياق منظومة ممنهجة من الانتهاكات الجسيمة.
أزمة تغذية غير مسبوقة في غزة
لا تقتصر المأساة على الأضرار الجسدية فحسب، بل تمتد لتطال بنية النسيج الأسري والاجتماعي، مخلّفةً آثاراً عميقةً وطويلة الأمد. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، بأن أكثر من 58,000 طفل في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما نتيجة العدوان الإسرائيلي، ما تركهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أسري، أو رعاية كافية.
وكشف تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عن أزمة تغذية غير مسبوقة في قطاع غزة، حيث تحولت المجاعة إلى سلاح فتّاك يضاف إلى أدوات القتل والاستهداف، ففي شباط/فبراير 2026، تم إدخال أكثر من 3,700 طفل (بين سن 6 و59 شهراً) لعلاج سوء التغذية، بينهم أكثر من 600 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وعلى الرغم من أن هذه الأرقام سجلت تراجعاً طفيفاً عن إحصائيات كانون الثاني/يناير التي تجاوزت 4,600 طفل، و890 حالة حادة، فإنها تظل مؤشراً صارخاً على عمق الكارثة المستمرة، إذ تظهر البيانات أن 64% من الأطفال يقتصر استهلاكهم على مجموعتين غذائيتين أو أقل يومياً، بينما يعجز أكثر من 90% منهم عن الوصول إلى الحد الأدنى من التنوع الغذائي، فيما يرزح أكثر من 60% من الأطفال (بين سن 6 و23 شهراً) تحت وطأة فقر غذائي حاد يهدد نموهم الأساسي.
ضرب عمق الأمان النفسي والجسدي للطفل
ولا تقتصر هذه القتامة على الواقع الراهن، بل تمتد لتشمل توقعات العام 2026 التي تشير إلى أن 37,000 امرأة حامل ومرضع سيعانين من سوء التغذية الحاد، جنباً إلى جنب مع حاجة 25,000 رضيع تحت سن ستة أشهر و101,000 طفل دون الخامسة و120,000 طفل (بين 5 و17 عاماً) إلى تدخلات علاجية عاجلة، منهم 31,000 طفل يواجهون خطر الموت الوشيك بسبب سوء التغذية الحاد الوخيم.
تتجاوز كارثة دمار البنية التحتية في قطاع غزة حدود فقدان المباني، لتضرب في عمق الأمان النفسي والجسدي للطفل؛ فمع تضرر وتدمير ما لا يقل عن 320,622 وحدةً سكنيةً، فقد مئات الآلاف من الأطفال غرفهم، وألعابهم، ومساحاتهم الآمنة، ليجدوا أنفسهم قسراً ضمن 1.4 مليون نازح (ثلثي سكان القطاع) يفتقرون لأدنى مقومات الكرامة البشرية.
هذا الدمار الشامل حوَّل “البيت” إلى ذكرى بعيدة، وحوَّل “الخيمة الممزقة” في أكثر من 1,000 موقع نزوح مكتظ إلى واقع مرير يفتقر للخصوصية والحماية من قسوة المناخ. وفي هذه البيئة المتهالكة، يواجه الأطفال خطراً مزدوجاً؛ فبينما يصارعون البرد والجوع داخل قرابة 800 تجمع عشوائي للخيام، يتربص بهم “الموت الصامت” الكامن في مخلفات الحرب.




